تكنوقراط السخرة:

مدرسة 29 ديسمبر في هندسة الفقر وتحطيم عظام الطبقة الوسطى

محمد البناء - 2026-01-13 - 10:05 ص

مرآة البحرين : لم يكن المؤتمر الصحفي الذي قاده الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة يوم 29 ديسمبر 2025 مجرد إعلان عن "حزمة إصلاحات"، بل كان إعلاناً رسمياً عن انتقال السلطة في البحرين من مفهوم "الدولة الرعوية" إلى مفهوم "الدولة المفترسة". هذا الفريق الحكومي الذي وقف بلباسه الأنيق ولغته المنمقة، لم يكن يخاطب الشعب البحريني، بل كان يقدم "كشف حساب" لوكالات الائتمان الدولية وصندوق النقد، مؤكداً لهم أن جسد المواطن البحريني ما زال قادراً على تحمل المزيد من السياط المالية.

"الإغراق".. لماذا الآن؟

اعتمد الفريق الحكومي استراتيجية "الإغراق المعلوماتي"، فبخلط قرارات رفع أسعار الوقود مع ضريبة الشركات، وإعادة هندسة الخدمات، وتقليص النفقات الإدارية، حاولوا خلق حالة من التشتت الذهني لدى المواطن. 

هذه "الهندسة" تهدف إلى جعل الزيادة في سعر البنزين (220 و235 فلساً) تبدو وكأنها "تضحية ضرورية" ضمن خطة كبرى. إنها محاولة لسرقة الاعتراض عبر إيهام الناس بأن "الجميع يدفع الثمن"، بينما الحقيقة هي أن الشركات ستمرر ضرائبها للمستهلك، والنفقات الحكومية المقلصة بنسبة 20% هي "فتات" مقارنة بما سيُجنى من جيوب الناس.

احتلال "الفراغ": السلطة التي لا ترى أحداً

الملمح الأبرز في مؤتمر 29 ديسمبر هو "الغطرسة الإجرائية". الفريق الحكومي لم يقل "سنتشاور مع البرلمان"، بل قال "أعدنا هندسة 1300 خدمة". هذه اللغة التقنية تهدف إلى إلغاء السياسة؛ فالمشاكل المعيشية لم تعد قضايا للنقاش العام، بل أصبحت "مسائل فنية" يحلها الخبراء والوزراء المعينون في غرفهم المغلقة داخل القصر.

هنا يكمن لب الاستعباد الجديد: تحويل المواطن من "صاحب سيادة" يقرر مصير ثرواته، إلى "متلقٍّ للخدمة" عليه أن يدفع ثمنها وفق تسعيرة "الفريق الرفيع". إنهم لا يعترفون بوجود شعب، بل بوجود "قاعدة بيانات" للمشتركين والمستهلكين.

خديعة "المسكن الأول": الدعم كأداة للفرز الطبقي

لعب الفريق الحكومي على وتر "حماية المواطن في مسكنه الرئيسي" بخصوص الكهرباء، وهي ورقة "خبيثة" لشق الصف الشعبي. فمن خلال إيهام فئة معينة بأنها "ناجية" من الزيادات، تضمن الحكومة صمتها بينما تُسحق الفئات الأخرى (المستأجرين، الشباب في شقق مؤقتة، أصحاب السجلات الصغيرة). 

هذه "الهندسة الاجتماعية" تحول المجتمع من كتلة واحدة تطالب بحقوقها، إلى أفراد يتنافسون على ""فتات الدعم". إنهم يقايضون صمتك على سعر البنزين والديزل (200 فلس) بوعد واهٍ بعدم لمس فاتورة الكهرباء "حالياً".

هذا الفريق الذي يتصدره الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة (وزير المالية والاقتصاد الوطني) ويضم كبار التكنوقراط من هيئة الكهرباء والماء ووزارة التجارة، هو فريق تم انتقاؤه بعناية ليكون "الوجه الناعم" لسياسات "خشنة" لا ترحم.

سماسرة الديون: تشريح "الفريق الحكومي" الذي باع الاستقرار المالي للمواطن

في أي دولة تحترم مفهوم المواطنة، يُفترض بالفريق الحكومي أن يكون "حامي الحمى" وخط الدفاع الأول عن مستوى معيشة الشعب. لكن في دولة آل خليفة، وتحديداً في ذلك المؤتمر المشؤوم يوم 29 ديسمبر 2025، تجلى الفريق الحكومي برئاسة الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة كأداة "قمع مالي" بامتياز.

هؤلاء ليسوا وزراء بمهام سياسية واجتماعية، بل هم "محصلو ديون" بمرتبة وزراء، وُضعوا في الواجهة لشرعنة نهب الطبقة الوسطى تحت مسميات تقنية منمقة.

التكنوقراط "كأداة إخضاع" يتميز هذا الفريق بلغة باردة، جافة، ومنزوعة من أي بُعد إنساني. حين يقف الوزير ليعلن "آلية جديدة لتسعير الوقود" ترفع السعر إلى 220 و235 فلساً، فهو يمارس "الإرهاب الرقمي". هؤلاء التكنوقراط هم الأخطر، لأنهم يغلفون القرارات الجائرة بغلاف "الدراسات الاكتوارية" و"الاستدامة المالية"، محولين معاناة رب الأسرة البحريني إلى "مجرد فوارق تقنية" في جداول (Excel). 

إنهم الفريق الذي يتقن "هندسة الأرقام" لكنه يجهل تماماً "هندسة الكرامة المعيشية".

أعضاء الفريق: "جوقة" الصمت والتنفيذ

يضم الفريق مسؤولين من "هيئة الكهرباء والماء" و"تمكين" وجهات أخرى، وهم يلعبون دور "الكومبارس المتخصص"، دورهم هو تشتيت انتباه المواطن؛ فبينما يضرب الوزير في "الوقود"، يخرج مسؤول الكهرباء ليتحدث عن "ثبات الشرائح الأولى" كنوع من الرشوة النفسية. إنهم يعملون كفريق "صيد" متكامل؛ واحدٌ يطرد الفريسة (المواطن) والآخرون ينصبون الشباك المالية في كل زاوية من زوايا حياته اليومية.

تكنوقراط الصالونات.. منفصلون طبقياً عن الواقع

هذا الفريق الحكومي لا يعرف معنى "الغلاء". هؤلاء يعيشون في محميات طبقية، حيث الوقود والكهرباء والخدمات هي "مزايا وظيفية" مدفوعة الثمن من ميزانية الدولة (التي هي مال الشعب). لذا، حين يتحدثون عن "زيادات طفيفة"، هم صادقون من منظورهم الشخصي، لأن الـ 80 فلساً الإضافية في لتر البنزين لا تعني لهم شيئاً، لكنها بالنسبة للمواطن الذي يقود سيارته للعمل في الحد أو الرفاع أو سترة تعني التخلي عن وجبة غداء أو دواء. 

المهمة القذرة: تجميل القبح

إن الفريق الحكومي هو المسؤول الأول عن تحويل البرلمان إلى "صفر" كبير. هؤلاء المسؤولون لا يقدمون حساباً للنواب، بل يملون عليهم القرارات إملاءً. إنهم "فريق تنفيذ الأوامر العليا" الذين اختاروا أن يكونوا الوجه القبيح لسياسات التقشف الموجهة لجانب واحد فقط: جانب الضعفاء. لم نسمع من هذا الفريق كلمة واحدة عن فرض ضرائب على "أرباح البنوك" الفلكية، أو تقليص ميزانيات التسليح، بل كان كل تركيزهم على "الديزل والبنزين والغاز"، لأنها السلع التي لا يمكن للمواطن الهرب منها.

الخلاصة: الحقيقة العارية

هذا "الفريق الحكومي" هو العدو الحقيقي لاستقرار الأسرة البحرينية. إنهم ليسوا "خبراء إصلاح"، بل هم "مهندسو إفقار". 

مؤتمر 29 ديسمبر كشف أنهم لا يملكون رؤية لتطوير الاقتصاد، بل يملكون فقط "مفاتيح جيوبنا". إن صمت الشعب عن هؤلاء "التكنوقراط" هو الذي جعلهم يتمادون في غيهم. إنهم يراهنون على أن البحريني سيشتكي في "المجالس" ثم يذهب في الصباح الباكر ليدفع السعر الجديد صاغراً.

إن هذا الفريق، بقيادة وزير المالية، قد أثبت أن الولاء لديهم هو "للميزانية" لا "للإنسان"، ولـ "وكالات الائتمان" لا "للمواطن". 

إنهم فريقٌ يجب ألا يرحمه التاريخ، لأنهم اختاروا أن يكونوا "المطرقة" التي تحطم عظام الطبقة الوسطى في سبيل الحفاظ على امتيازاتهم وكراسيهم ودولة القصر.