يد الخليج على قلبه:

أميركا تُطنّش حلفاءها

2026-01-14 - 10:30 ص

عن صحيفة الأخبار اللبنانية – حسين إبراهيم :

لا تثق السعودية كثيراً، في ظلّ الأحداث الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، بالحماية الأميركية. وانعدامُ الثقة هذا، تعمّق في أثناء الولاية الثانية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بدل أن يخبو، وذلك نتيجة سياسات الأخير نفسه. ولذا، نجد المملكة تبحث عن تحالفات من خارج الصندوق الأميركي، من مثل التحالف الدفاعي مع باكستان الذي يجري الحديث عن توسيعه ليضمّ تركيا ومصر.

والتحالف المذكور، عدّه رئيس وزراء قطر السابق، حمد بن جاسم، ضرورياً في مواجهة التغيّرات المتسارعة في سياسات دول التحالف الغربي وخاصة الولايات المتحدة، في حين ذهب رئيس الإمارات، محمد بن زايد، نتيجة قلقه هو الآخر، وإن من زواية مختلفة تضعه في اصطفاف مع إسرائيل، إلى إسلام آباد، قبل أسبوعين، في محاولة لجذب الباكستانيين إلى جانبه. لكن مع ذلك، تُظهر تعليقات المقرّبين من السلطة في الإمارات، تهيّباً من الأحداث الإيرانية، بغضّ النظر عن دقّة ما تجري الإشارة إليه في بعض التقارير، عن دور إماراتي خفي في تأجيجها.

طبعاً، يراد لباكستان أن تكون لُحمة هذا التحالف، كونها تملك القنبلة النووية، وجيشاً قوياً أظهر قدرات كبيرة في أثناء الحرب الوجيزة مع الهند هذا العام. والأهم أنّ إسلام آباد حليفة لواشنطن، ما يجعل التجمّع العتيد، الذي سيضمّ دولاً جميعها متحالفة مع الولايات المتحدة، إن اكتمل، قادراً على انتزاع امتيازات أكبر من الأخيرة.

الظاهر أنّ أكثر ما يخيف دول الخليج، هذه الأيام، بعد الحروب الإسرائيلية الأخيرة، التي وضعتها أمام تهديدات مصيرية، هو ما يجري حالياً في إيران، الجار الأكبر، الذي لطالما كان مصدر قلق لدول المنطقة، لا سيّما أنّ العلاقة الأميركية بإيران ظلّت على الدوام تتأرجح بين الاتفاق والضربة، ولم تحتمل يوماً التعايش الطبيعي. فقبل عقد من الزمن، حينما توصّلت واشنطن إلى الاتفاق النووي مع طهران الذي أرعب العواصم الخليجية، لكونه اعتُبر تسليماً لأمن المنطقة إلى إيران، كانت تلك العواصم تفضّل الضربة، وهي عملت ليلاً نهاراً لتحقيقها، من دون نتيجة؛ ويومها بلغ الضغط السعودي على الرئيس الأسبق، باراك أوباما، حدّاً وجد معه الأخير نفسه مضطراً إلى القول للسعوديين إنّ عليكم أن تجدوا طريقة للتعايش مع طهران. كانت دول الخليج في حينه تتّفق في توجّهها مع ما تريده إسرائيل، لكن أحداث السنوات العشر الماضية، بدت كافية لقلب الأولويات بالنسبة إليها.

اليوم، وفي مقابل الصمت الرسمي الخليجي المطبق، الناجم عن خوف ممّا يمكن أن تؤدّي إليه عملية التحريض الأميركية والإسرائيلية والغربية على الاحتجاجات الإيرانية التي تتّخذ أكثر فأكثر طابعاً مسلّحاً، ثمّة حذر واضح يعكسه الإعلام الخليجي في التعامل مع الأحداث، وغياب تامّ لحملات الجيوش الإلكترونية المعتادة في مثل هذه الحالات، في حين تعبّر النخب في تلك المنطقة عن مخاوف حقيقية من تأثير التطورات الإيرانية على بلدانها. وفي هذا الإطار، توقّع الأستاذ الجامعي الكويتي، عبد الله النفيسي، الذي يتابع العلاقات الخليجية – الإيرانية منذ عقود، تدفّق موجة لاجئين من إيران عبر سواحل الخليج إلى كلّ دول «مجلس التعاون الخليجي» في حال انفلات الأوضاع، وهو ما سيؤثّر بشكل عميق على أمن تلك الدول، ومستوى رفاهية مواطنيها.

كذلك، لا تحلم أي دولة خليجية اليوم بأن تسارع الولايات المتحدة إلى نجدتها في حال أخذت الأحداث في إيران طابع الانفلات والفوضى نتيجة أي تدخّل عسكري خارجي. فأكثر ما يمكن أميركا فعله في حال الحرب مع إيران هو حماية جنودها وأصولها العسكرية في الخليج، غالباً عبر تنحيتهم من وجه النار، كما حدث عند الضربة الإيرانية لقاعدة العديد الأميركية في الدوحة في حزيران الماضي. وحتى السيناريو الذي تفضّله واشنطن وتل أبيب والغرب، وهو إعادة الشاه إلى الحكم، ليس مناسباً لدول الخليج التي تبحث عن أدوار ونفوذ تحمي أنظمتها، وليس عن شرطي آخر مدعوم من الغرب، إلى جانب إسرائيل. ورغم الترويج الغربي لابن الشاه المخلوع، الذي صار حضوره يومياً في وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية، فإنّ وسائل الإعلام الخليجية، وخاصة السعودية، تتجنّب حتى ذكر اسمه.

في المقابل، لا يبدو أنّ ترامب، وفق ما توحي به الاتصالات السياسية، معنيّ بأن يُشرك الخليجيين في قراراته بشأن إيران، أو حتى يأخذ هواجسهم بعين الاعتبار، مع أنّ ذلك قد يكون ناجماً عن أنّ دول الخليج نفسها لا توافق على توجّهاته إزاء الأوضاع في البلد الجار. والجدير ذكره، هنا، أنّ الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، إلى واشنطن، الأسبوع الماضي، تركّزت، بحسب وسائل إعلام أميركية، على تطورات جنوب اليمن والعلاقة مع الإمارات فحسب ولم تشمل الاحتجاجات في إيران؛ وقدّم خلالها الوزير تطمينات إلى الإدارة وأعضاء الكونغرس بشأن سياسة بلاده تجاه اليمن، مفادها أنّ السعودية لا تشجّع القوى الإسلامية فيه، والأهم أنها لن تتوصّل إلى اتفاق مع «أنصار الله» بمعزل عن الولايات المتحدة.

على أيّ حال، الأكيد أنّ نظام الجمهورية الإسلامية لم يكن يوماً عدوّاً في نظر دول الخليج، في العمق. وحتى الحرب العراقية – الإيرانية التي وقفت خلالها تلك الدول مع بغداد وموّلتها، لم تُقابَل بالمثل إيرانياً. ثمّ بعد حرب الخليج الثانية التي أخرجت العراق من الكويت، نحت العلاقات عموماً نحو الإيجابية، وصارت دول المنطقة منقسمة بين من لا يخفي مصلحته في علاقات جيدة مع طهران، لأسباب مختلفة، وبين متنافس معها يستخدم التنافس لشدّ عصب شارعه. ثمّ حتى هذا التنافس خبا بعد الاتفاق السعودي – الإيراني في بكين، في العاشر من آذار 2023.