هل تدرك البحرين مخاطر الحرب القادمة؟ ولماذا غابت عن جهود الشقيقات الثلاث لإقناع الإدارة الأمريكية بتجنب الخيار العسكري تجاه إيران؟
2026-01-15 - 11:44 ص
مرآة البحرين
لأول مرة، تشعر دول الخليج بأخطار ارتدادية واستراتيجية كبرى ستطالها، في حال سقط نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فبعد أن كانت تقود الضغوط على الإدارة الأمريكية لاستخدام القوة العسكرية تجاه الجارة خلال سنوات المفاوضات النووية (2015)، ها هي اليوم تتزعم الحراك الإقليمي لإقناع إدارة دونالد ترامب بعدم توجيه ضربة إلى إيران.
تبدو الظروف الإقليمية المتصاعدة كما لو أنها تقف على برميل من البارود، لكن اشتعاله هذه المرّة، سيغيّر معادلات كثيرة في المنطقة، سيّما وأنّ إيران تواجه خطراً وجودياً يتمثّل في محاولات الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية والصهيونية إسقاط النظام الإسلامي، واستبداله بآخر عميل لإدارتي واشنطن وتل أبيب، الأمر الذي سيجعل من حدِّية الحرب ومساراتها، تتجه إلى حسومات صارمة من الجانبين.
وفي سياق هذا المسار، تقف دول الخليج التي تحكمها عوائل ملكية هشّة، لا همّ لها سوى الحفاظ على كراسي الحكم، كحلقة ضعيفة لا تدخل في حسبان الإدارتين، فالمنطقة تعيش مخاضاً للتحوّل إلى العصر الصهيوني، في ظلّ مساعٍ لإخضاعها بالقوة، إنْ لم تأتِ صاغرة.
المحللون، يرون أن حجر الدومينو التالي هو السعودية وتركيا ودول تقف متذبذبة في المنطقة، بعد الانتهاء من حائط الصدّ الأشد الذي بنته الجمهورية الإسلامية طوال الثلاثة عقود الماضية، وهذا بالضبط ما تدركه دولاً خليجية على رأسها المملكة العربية وعمان وقطر، التي تقود مارثون إقناع الرئيس الأمريكي بعدم تنفيذ تهديداته، خصوصاً مع دخول الأجندة الصهيونية حيّز التفعيل في البحر الأحمر وخليج عدن بمساعدة إماراتية.
تدرك دول الخليج الآن، أن خلافاتها مع طهران بشأن ملفات كثيرة مثل الجزر الثلاث، وحقل الدرة، والبرنامج النووي، وغيرها، لا تمثل شيئاً أمام تهديدات استراتيجية حقيقية ستهزّ الخليج برمّته في حال سقوط النظام الإسلامي في إيران، الأمر لا يتعلق بتهاوي أسعار النفط فقط، وهي تستشعر الخطر كذلك، ليس من مسألة سقوط النظام وحدها، وإنما مجيء نظام بديل صعب المراس لا يمكن التكهّن بطموحاته في الإقليم، خصوصاً وأن الإدارة الأمريكية والموساد، يقدّمان رضا بهلوي كوجه بارز لإعادة النظام الشاهنشاهي الملكي، وهو نظام لا يحمل للذاكرة الخليجية أياماً وردية، وسيعود لدوره كشرطي للخليج بقوة.
الأمر لا يتعلّق بالرغبات وإنما بالمصالح، فالخليجيون الخائفون لا يبذلون مساعيهم لأنهم يحبون النظام الحالي في إيران، لكنهم يدركون أن هذا هو أهون الضررين، فمع تبدّل المعادلات الإقليمية، وانجلاء الغبار عن الأجندة الأمريكية والصهيونية، صار بقاء إيران على ما هي عليه، مصلحة خليجية مُلحّة، وإلا فالخيار الآخر هو أن يكون الخليج مثل باب مشرع بالنسبة للسيّد الصهيوني، يدخله متى شاء، ويتحكم بثرواته كما لو كان في الزمن الإمبريالي.
الإدراك الخليجي المتأخر لهذه المعادلة، ربما سيكلفها الكثير في حال لم تنجح مساعيها في وقف طبول الحرب، خصوصاً في ظل استهتار الإدارة الأمريكية الحالية بالدور الخليجي، واعتبار هذه الأنظمة مجرد محفظة أموال وبقرة حلوب لدفع تكاليف الأجندة الأمريكية الصهيونية.
بالنسبة للبحرين، فقراءتها للواقع لا تبدو جيدة، وطالما عُرفت المملكة الأصغر في الخليج بالبلادة، فهي تخبط يميناً وشمالاً في ملفات إقليمية لا ناقة لها فيها ولا جمل، ثم تصطدم بالواقع بعد ذلك. هكذا فعلت في ملفات مثل قطر واليمن، وهكذا فعلت مع إيران، ودائماً ما كانت تجامل الشقيقة الكبرى لمحاولة إرضائها، لتتفاجئ بعد ذلك بتسوية الأخيرة ملفاتها دون إشراكها في الأمر.
اختار ملك البلاد تجميع البعثات الدبلوماسية وسفراء الدول لإقامة احتفالاته السنوية باليوم الدبلوماسي البحريني (الموافق 14 يناير 2026)، ليُبشّر وزير خارجيته عبد اللطيف الزياني على مسامع البعثات التي بدت كمن يُجامل طفلاً على قدر عقله، ليحكي لهم نكتةً ساخرة لا شك أنها أضحكت الحضور: "يملؤنا الفخر والاعتزاز بأن مملكة البحرين تؤدي دوراً مهماً على الساحة الدولية، وأن البحرين تواصل مسيرتها الدبلوماسية واضعةً نصب عينيها أن تكون مناصرةً للسلام والتسامح والتعايش، ملتزمة بتعزيز الحوار والحلول الدبلوماسية للنزاعات، ودعم الجهود التي ترسخ التفاهم والتعاون والتضامن بين الأمم، وتعزيز السلم والأمن الدوليين".
هكذا بدت الدبلوماسية البحرينية منفصلةً عن الواقع في يومها السنوي، فبينما كانت المملكة العربية السعودية وقطر وعُمان تقود الجهود لإيقاف الصقر الأمريكي المتعجرف، كانت البحرين تمارس احتفالاتها الجوفاء بـ"المسيرة الدبلوماسية الناهضة"!
يعرف ملك البحرين جيداً، أنّ أي نظام قادم على أنقاض الجمهورية الإسلامية في إيران، سيذكّره بالفعل بإهانة الشاه محمد رضا بهلوي له في الستينيات، عندما ذهب إلى طهران لزيارته محمّلاً برسالةٍ من والده عيسى بن سلمان، ليبقيه في غرفة انتظار الدبلوماسيين لمدة أسبوع، متجرّعاً كأس الازدراء والتحقير الخارج عن الأعراف والبروتوكولات الدبلوماسية.
العرب يعرفون، ومعهم الخليجيين، أن "دبلوماسية الشاه" ليست هي نفسها "دبلوماسية الجمهورية الإسلامية"، والأنظمة الخليجية على الخصوص، لم تكتمل شخصيتها الندية كدول وكيانات في المنطقة، إلا مع انتصار الثورة الإسلامية سنة 79، حينها فقط وجدت هذه الأنظمة من يُؤمَن على ردود أفعاله حينما يُظلم، لذلك شاركت في تزويد النظام البعثي في العراق بالمال والعتاد، ليشن صدام حسين عدوانه سنة 80، وقد ساهم الخليجيون على مدى سنوات في التآمر على الجمهورية الإسلامية بتسخير ترساناتهم المالية والإعلامية والدينوية والاستخباراتية ضده.
إلى جانب ذلك، فدولة إسرائيل، الحليف الجديد لنظام آل خليفة في البحرين، حليفٌ قديم للنظام الشاهنشاهي في إيران، ومصالحها على الأراضي الإيرانية تكاد لا يمكن مقارنتها بأي مصالح مفترضة مع البحرين على جميع المستويات، وإذا ما عاد حليف الموساد إلى كرسي الحكم في طهران، لن تقف تل أبيب متردّدة في دعمه بقوّة، وليس من المتوقع أن تضحي به من أجل دولة صغيرة ستكون لقمة للطموحات التوسعية وثقل التحوّلات الجيوسياسية الجديدة وارتداداتها.
مهما كان الأمر، فربما دار في عقل النظام الخليفي في المنامة أنه سيتربّص سقوطاً مفاجئاً للنظام الإسلامي على وقع الاحتجاجات الداخلية حتى يتسلّم المعارضين البحرانيين بعد أن تقدّمهم السلطات الجديدة على طبق من ذهب، أو سيقف على التل لترقب نتائج الجولات الأولى للحرب، في حسابات تستجيب للنزعات والأهواء غير المنطقية والخارجة على معادلات الواقع، خصوصاً مع ملاحظة أدواره الوظيفية في الحروب السابقة.
غاب النظام البحريني عن مساعي الأشقاء الثلاثة رغم وجوده في فوهة البركان، وبدلاً من مساهمته في الضغوط الخليجية لإقناع ترامب بالتراجع عن الحرب، اختار الانشغال بهراء الحفلات الفارغة، لكن هذا الغياب قد يكلّفه الكثير طبعاً، في حال حدثت الحرب وبدت فرضية سقوط النظام الإسلامي أقرب للتحقق، فما ينتظره وينتظر كل الخليج، هو عصر الهيمنة الصهيونية الشاملة، ونظاماً إيرانياً جديداً ليس مأمون الجانب، يطمح للعودة إلى أدواره التاريخية كشرطي للخليج، وربما يُحيي أطماع الماضي في ابتلاع قطعة الأرض الصغيرة الطافية جنوب غرب خليجه الفارسي.
- 2026-01-08على ماذا يراهن النظام البحريني لتجاوز أزمة الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن؟
- 2026-01-07زيادة علاوة الغلاء: قراءة نقدية في كفاية الدعم وحدود الحماية الاجتماعية
- 2026-01-05قضية الأستاذ حسن مشيمع: حينما يخشى السجانُ جسداً أنهكه المرض
- 2026-01-05أدوات العزل السياسي في البحرين: منظومة الإقصاء لا تبدأ في 2018
- 2026-01-03حقوق الإنسان في البحرين: تعثّر مستمرّ