الملك متلاعباً بالسردية التاريخية: جدّي هو عامكم.. وسرديتي هي تاريخكم

2026-01-21 - 1:22 م

مرآة البحرين

لا أحد يعرف ما هي مناسبة حماسة الملك حمد آل خليفة لإعادة الاعتبار لجده الثالث الآن (عيسى بن علي 1869/1923)، سوى أن الرجل يستظهره في المرآة كلّما وقف أمامها، ليرى أنه بات يشبه كلّ ملامح تاريخه المليء بالظلم، وإلا فإن تاريخ الرجل ليس من النوع الذي يمكن التفاخر به، ولا يمكن أن يكون عنواناً للهوية الوطنية. 

في 11 يناير، فاجأ الملك شعبه بقرار تسمية عام 2026 بـ"عام عيسى الكبير" خلال اجتماع عائلي ضمّ ولده الأكبر، ولي العهد ورئيس الوزراء، سلمان بن حمد، لتبدأ بعدها حملة إعلامية للإشادة بالقرار واستحضار تاريخ الشيخ عيسى بن علي، ثم تشكيل لجنة سريعاً برئاسة وزير الداخلية، راشد آل خليفة، تحت مسمّى "لجنة إحياء عام عيسى الكبير"، لتقرّر في أوّل اجتماع لها بتاريخ 15 يناير، تشكيل فريق عمل للمتابعة ودراسة عدد من المبادرات التي تهدف إلى إحياء هذا العام، وتكليف كل جهة حكومية بإعداد المبادرات والمقترحات التي تعكس مكانة هذه المناسبة (مع ملاحظة أنّ هذا يأتي في ظلّ إعلان حكومي بتقليص المصاريف الإدارية بنسبة 20%).  

 تبدو الصور في ذلك الاجتماع العائلي الذي أعلن منه الملك تدشين قراره، كما لو كانت الفكرة مجرد حديث عائلي. الحاضرون كلّهم من العائلة الحاكمة. ويبدو الأمر كما لو أنّه جاء كردّة فعل على أمرٍ ما وليس عفوياً، فتذكُّر الملك لجدّه في هذا الوقت بالذات، يأتي في سياق معركة ثقافية وتاريخية شديدة تدور في وسائل التواصل الاجتماعي، وأبطالها كتبٌ ومعلومات تاريخية تطفح على السطح بين فترةٍ وأخرى، لا تستطيع يد الملك أن تصل إليها، أو هكذا هو التاريخ لا يرحم، ولا تخمد الحقيقة بالسرديات المزيّفة. 

في هذا السياق، تابع الإعلام الرسمي حملته الإعلامية بشكلٍ تصاعدي، افتتاحيات لرؤساء تحرير الصحف الأربع، مقالات لأبرز كتاب الأعمدة، تصريحات على لسان وزراء ومسؤولين ونواب وشوريين، تزامن مع إعلان الهوية الفنية، التي جاءت بصورة مرسومة (بورتريه) لشخصية عيسى بن علي تُجسّد وقار الرجل وهدوئه، تتناقض تماماً مع تاريخه المضطرب الذي تحتفظ به الوثائق البريطانية والذاكرة الشعبية. 

السردية الرسمية لسيرة جدّ الملك، لا تكتفي بتقديم رواية متناقضة عمّا جاء في الكتب والوثائق التاريخية، وإنما تحاول أسطرة الرجل وأيقنته بشكل غير واقعي، تماشياً مع متطلبات تدعيم برنامج الهوية الوطنية الذي تشرف عليه وزارة الداخلية، وتعزيز ما يسمى بالانتماء الوطني. 

تعتمد السردية الرسمية استبدال الوثائق التاريخية بما يناقضها. كل شيء تؤكده الوثائق التاريخية هي تنفيه. كلّ شيء تنفيه هي تؤكده. كل أمر تأتي بعكسه. فالمؤرخ الرسمي على عجالة من أمره، وهو لا يستطيع تقديم أدلة على خلاف هذه الوثائق، أو مناقشتها وفق منهجية علمية وبأدوات علم التاريخ!

مثلاً، تُقدّم السردية الرسمية، "عيسى الكبير" على أنه شخصية تحررية وصاحب روح استقلالية، بينما تحتفظ الوثائق التاريخية بحقيقة استدعاء الانجليز لعيسى بن علي من قطر لاستلام حكم البحرين، بعد خلع ابن عمه محمد بن عبد الله آل خليفة (1869). 

سوسن الشاعر في مقالها "لماذا هو كبير؟" الذي كتبته في جريدة الوطن مؤخراً، صوّرت الأمر وكأن عيسى بن علي كان يقود حراكاً وطنياً ضد المعتمد البريطاني، ولم يبقَ سوى أن تضعه في قائمة الشخصيات التي قاومت الاستعمار مثل عمر المختار وعزّ الدين القسّام، بينما تؤكد السرديات التاريخية ومراسلات عيسى بن علي نفسه، خضوعه للانجليز وتجاوبه معهم، وقد أبدى عناداً عندما كان يتعلّق الأمر به شخصياً وبأفراد عائلته، كما فعل عندما أدرك أن الانجليز اتخذوا قرارهم بعزله، بعد أن وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه بداية العشرينيات، نتيجة تزايد أخطائه وإسرافه في الظلم وتصاعد شكاوى المواطنين بحقّه.

هكذا بالنسبة لبقية الأمور. السردية الرسمية تقول أنّه باني الدولي الحديثة، الوثائق تقول أنّه تمسّك بالحكم القبلي القائم على الإقطاع. السردية الرسمية تقول أنّه واضع أسس العمل الحكومي والهياكل الإدارية، الوثائق تقول أنّه قاوم محاولات الإصلاح وعارض إنشاء القوانين. السردية الرسمية تقول أنّه وضع الأسس الأولى للتنظيمات البلدية، الوثائق تقول أنّه عارض مشاريع التحديث مثل إنشاء البلدية وأراد أن يكون مطلق اليد. السردية الرسمية تقول أنّه وضع نواة العمل الأمني والشرطي المنظم، الوثائق تذكر اعتماده على الفداوية ودفاعه عنهم. السردية الرسمية تقدّمه كشخصية إصلاحية، الوثائق تؤكد رفضه فصل "جيب الحاكم" عن "جيب الدولة"، وتسلطه ومقاومته إلغاء نظام السخرة. 

وكمثال على هذه المنهجية الرسمية في التعاطي مع الوثائق التاريخية، تُقدّم مي آل خليفة في كتابها "سبزآباد ورجال الدولة البهية" تأويلات مثيرة للدهشة لحوادث تتعلق بعهد عيسى بن علي، معتبرة بأن الوثائق ضخّمت بعض هذه الحوادث وافتعلت العديد منها بشكل وهمي، بغرض ما أسمته "مواجهة الروح الاستقلالية" لدى حاكم البحرين الشيخ عيسى بن علي!

المشكلة هنا لا تتعلق بغسل تاريخ العائلة فقط، أو حذف المقاطع التي تخدش كرامتها وتُشعرها بالخجل، أو نفي تلك الوقائع التي تتعلّق بالظلم والدماء والجرائم، وإنما بتزوير الرواية التاريخية وتقديم واحدة أخرى مختلقة بشكل كامل. هكذا تمّ الأمر في غالبية ما تقدّمه السردية الرسمية حول تاريخ عيسى بن علي، إن لم يكن كلّه. 

أما بالنسبة لصحوة الملك المفاجئة، واستحضاره تاريخ جدّه على هذا النحو، فلأنّ التاريخ يكرّر نفسه في سلالات الأبناء ولو بعد حين، فيوحي لهم بتلاشي العصور وتناسخ الأرواح. كم هو عدد الأبناء الذين تبرؤوا من أجدادهم في هذا العالم؟ ربما يوجد ولكنهم قليلون. قليلون أولئك الذين ينتصفون للتاريخ من أنفسهم وجرائم آبائهم، هل يستطيع الملك أن يكون مثل عمر بن عبد العزيز مثلاً؟ الذي احتفظت الذاكرة التاريخية بشيء إيجابي تجاه شخصيته رغم أنّه من السلالة الأموية. هل يمكنه ذلك؟ 

يستحضر الملك تاريخ جدّه ليس على نحو النوستالجيا العائلية وحدها. ربما أراد أن يقول أنّه يشبه جدّه كذلك. كثيرون هم الأحفاد الذين يعبّرون عن اعتزازهم بأجداهم بهذه الطريقة. ربما أراد الملك أن يحتفي بتاريخ جدّه لأنه يشببه في مقاومة بناء الدولة الحديثة، لا أنّه بانيها كما في السردية الجديدة. عارض جدّه الأنظمة الحديثة والقضاء المستقل والحدّ من سرقات العائلة الحاكمة، ومارس الظلم والإقطاع والسخرة والاغتصابات والقتل. أليس في هذا ما يذكّر الملك بنفسه؟

البحارنة الذين صدّعوا رأس عيسى بن علي، ورفعوا عرائضهم في العشرينيات وشكوا حالهم وإذلالهم وتعرّضهم للمجازر العلنية، لا يزالون يزعجون حفيده بعد أكثر من قرن كذلك. أليس هو التاريخ نفسه؟ إذن لماذا لا يشبه الملك جدّه؟ 

"جدّي هو عامكم، وسرديتي هي تاريخكم"، يقول الملك لشعب البحرين في تعميمه الجديد، "عام عيسى الكبير"، ليعلن بذلك تزعّمه وقيادته لمعركة السردية التاريخية والهوياتية والثقافية بنفسه، فمن يقف في وجهه ويذكّره بحقائق التاريخ وأحوال تقلّبه وعبره الكثيرة؟!