»

ذكريات متنازع عليها في 14 فبراير… هل يذكر اسمنا في تاريخ الثورات الدستورية؟

2026-02-13 - 2:42 م

عباس المرشد؛ مرآة البحرين

تصادف الأيام المقبلة الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق حراك 14 فبراير الدستوري، الذي واجهته السلطة الحاكمة بأكثر أنواع البطش والدموية. وشاركت في قمع الاحتجاجات قوات «درع الجزيرة العربية» المكونة من فرق قتالية من جيوش دول مجلس التعاون، رغم أن القيادة كانت للفرقة السعودية والإماراتية، في حين اكتفت القوات الكويتية بحراسة بحرية كما أُشيع وقتها.

الحركة في شتى توجهاتها كانت تبحث عن إطار دستوري جديد ينهي أزمة الدستور التي خلقها الملك في فبراير 2002 عبر إلغاء دستور 1973 واستبداله بدستور جديد قلص فيه الصلاحيات التشريعية والرقابية. لذا جاء حراك 14 فبراير لينهي هذه الأزمة العالقة بعد فشل الطرق السياسية المعتادة، ومن بينها المشاركة في مجلس النواب عام 2006 لتمرير التعديلات الدستورية المناسبة.

رغم ذلك كانت هناك حلقات واتصالات متواصلة للضغط على الديوان الملكي كي يفتح حوارًا جادًا حول الدستور الجديد، وشُكّل في ذاك السياق المؤتمر الدستوري من قبل قوى المعارضة لمحاولة فتح باب الحوار، ولكن مع الأسف ظل الديوان الملكي يسد أسماعه عن تلك المطالبات. وبدلًا من ذلك، شكل خلية سرية ترأسها المستشار السوداني صلاح البندر من أجل إحداث تغيّر ديمغرافي في البحرين، ومن أجل ترويض المعارضة الشيعية وحصارها سياسيًا واقتصاديًا. ويبدو أن الغرض الأسمى من تشكيل تلك الخلية، التي عرفت لاحقًا بخلية «بندرغيت»، هو صناعة هوية جديدة للبحرين تأخذ على عاتقها رسم الحدود السياسية والتاريخية لشعب جديد ومرحلة سياسية جديدة كانت تُحضّر بهدوء.

الفكرة هنا أن اختلاف قوى المعارضة رغم اختلاف سقوف مطالبها السياسية؛ كان يجمعها إجماعهم على ضرورة كتابة دستور جديد للبلاد يضمن للشعب صلاحياته السياسية الكاملة وفق الأطر الديمقراطية، ويعيد رسم الصلاحيات المطلقة للملك والعائلة المالكة بحيث يصبحون سواسية أمام القانون.

ربما كانت العدالة الانتقالية في حينها تحرّك كثيرًا من الشعارات والاطروحات، ونعني بالعدالة الانتقالية هنا بعدها السياسي القائم على ضرورة الاعتراف، إلى جانب التمثيل القانوني للضحايا والمتسببين في الانتهاكات.

الآن، وبعد أن انقضت قرابة 15 عامًا على تلك الانطلاقة، يجدر بنا أن نعيد طرح السؤال الأبرز: كيف بدأت تلك اللحظات التاريخية؟ وهل سيذكرنا التاريخ الرسمي بصفة النضال الدستوري، أم كما هو معمول به الآن تتحول تلك اللحظات النضالية إلى سردية سلطوية تشيطن كل من شارك ودعم ذاك الحراك؟

إن نظرة خاطفة إلى منهاج التعليم، فضلاً عن الصحافة الرسمية، تؤكد أن لحظة الاعتراف بصوابية المعارضة وأحقية أطروحاتها السياسية هي من أقسى اللحظات مرارة على النظام الذي يبدو أنه مستعد للتراجع عن كثير من إجراءاته، بل وأن يلبي جزءًا كبيرًا من المطالب، ولكنه لن يقدم ولو خطوة بسيطة على الاعتراف بخطئه أو بجرمه، كما حدث في 2001، حيث تراجع النظام عن قانون أمن الدولة وعمل على إطلاق سراح كافة المعتقلين، وسمح بعودة المبعدين، لكنه لم يقدم ولو اعترافًا واحدًا بخطئه وجرمه.

حتى عندما طرحت قضية العدالة الانتقالية والمطالبة بتقديم الجلادين والمعذبين للقضاء العادل، أو أي تخريجة سياسية على غرار نسق الاعتراف والعفو في جنوب أفريقيا أو المغرب، فضّل الملك اللجوء إلى ما أسماه قانون العفو، ومنح الجلادين حصانة قانونية وسياسية. لقد اختار الملك التضحية بعادل فليفل ووزير الداخلية وغيرهم على أن يعترف بالجرم، وكرر الملك الفعل نفسه أمام لجنة التحقيق المستقلة برئاسة الراحل شريف بسيوني، وأنكر على الملأ أنه مخطئ، رغم إدانته بأكثر من 500 صفحة وثّق فيها بسيوني جزءًا من جرائم قوات الدفاع وعناصر الحرس الوطني ومنتسبي وزارة الداخلية.

في وقتها اختار الملك أن يقول للعلن إنه غير مستعد للاعتراف، وأنه غير مستعد لأن يقول عن نظامه إنه أخطأ، وفي مقابل ذلك أوحى للإعلام أنه بصدد الإعلان عن لجنة خاصة لتنفيذ توصيات لجنة التحقيق، ولجنة خاصة لعقد حوار وطني. وظهر لاحقًا أن كلا اللجنتين كانتا غطاءًا للتمادي في عدم الاعتراف.

قد لا يكون من الجديد ملاحقة تلك الأساليب والدعايات السياسية، فالجميع بات يرفعها ويعرف تقنيتها السياسية، ولكن يمكن ونحن نتذكر حراك 14 فبراير أن نتوقف أمام قصتين مهتمتين أجد أنهما تشكلان خيطًا مهمًا من خيوط الذاكرة السياسية، ومن ضمن اللبنات الرئيسية في التلقي.
القصة الأولى لها علاقة وطيدة بتذكر وعود السلطة وتطعيمها قمعها بأحلام سياسية واقتصادية أشبه ما تكون بحلم اصطياد طائر العنقاء أو طائر الفينيق. فقد وعدت السلطة جمهورها الموالي وغيره بالرخاء والانتهاء من الحراك السياسي المعارض، وقدمت في ذلك صفقات مالية تقدر بعشرات المليارات جمعتها السلطة من دول مجلس التعاون لتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية للناس.

بعد 15 سنة من تلك الوعود أصبح الحال أسوأ مما كان عليه الوضع قبل 2011 بفعل الغطرسة والاستفراد الكلي بالصلاحيات، وبفعل تفريغ الساحة من المعارضة وزج أفرادها في السجن أو المنافي. خلت الساحة للعائلة الحاكمة لتستولي على عشرات المليارات من دول الخليج لصالح حساباتها الخاصة. والأدهى من ذلك أن ارتفع مستوى الديون إلى أكثر من 40 مليار دينار، اعتقد أنها كانت كافية لإعادة بناء البحرين كاملة بكل مرافقها وسكنها ومصانعها.

مع ذلك، لا يعرف أحد أين تذهب عوائد النفط ولا أين تُصرف تلك الديون التي ترتفع سنويًا. لقد فشلت السلطة في تحقيق وعودها، وزادت الأوضاع الاقتصادية والسياسية قتامة وسوءًا بفعل مواجهتها لحراك 14 فبراير.

وهنا نبدأ في القصة الثانية، لنعيد التأكيد على أن الاعتراف المطلوب اليوم من السلطة ومن جمهورها ينبغي أن يتوجه إلى الاعتراف بصحة مواقف المعارضة وخطأ مواقف السلطة وأساليبها في إدارة البلاد. فالمعارضة لم تطالب إلا بعقد دستوري جديد واضح يتفق عليه الجميع، ويعطي الجميع فيه حقوقهم السياسية والاقتصادية.