"آخر الحلول": خطابٌ عسكري ثابت في البحرين وسياسة أمنية دائمة
2026-02-15 - 10:45 م
مرآة البحرين: الخطاب الأمني والهاجس العسكري يُسيطران على كلّ ما يصدر عن الدولة في البحرين وحاكمها. قبل أيام، برز خبران الأول زيارة الملك حمد بن عيسى للقيادة العامة لقوة دفاع البحرين بمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين لتأسيسها ، والثاني الإعلان عن توقيع البحرين اتفاقية تعاون مشترك في مجال الدفاع مع فرنسا.
على صعيد المواقف الرسمية، أشاد الملك بإنجازات قوة الدفاع، وبجهود جميع المنتسبين إليها من ضباط وجنود ومتدربين، لافتًا إلى "أننا انتقلنا من مرحلة التأسيس ووصلنا إلى مرحلة متقدمة جدًا في بناء القوة الدفاعية"، وقال إن "اللجوء إلى الخيار العسكري لا يكون إلّا كآخر الحلول حفظًا للأمن والاستقرار".
المقارنة بين الخبريْن، التوقيع الدفاعي من جهة، والتأكيد الخطابي على أولوية الحلول السلمية من جهة أخرى، يكشف تناقضًا بُنيويًا في سياسة الدولة، ويطرح أسئلة جوهرية حول معنى الأمن، ومن يدفع كلفته، وعلى حساب أيّة أولويات وطنية؟
من حيث الشكل، لا تبدو الاتفاقية مع فرنسا استثناءً عن مسار طويل انتهجته البحرين منذ سنوات، يقوم على تعميق الارتباطات العسكرية مع قوى غربية، وتوسيع شبكة التفاهمات الدفاعية الثنائية. لكن من حيث المضمون، فإن هذا المسار يؤكد استمرار التعويل على الأمن المستورد بدل معالجة جذور الاضطراب السياسي والاجتماعي في البلاد. الدولة التي تؤكد أن الخيار العسكري هو "آخر الحلول"، لماذا تُكثّف شراكاتها الدفاعية في توقيت إقليمي شديد الحساسية، بدل الاستثمار في حلول سياسية داخلية طال انتظارها؟
يربط الخطاب الرسمي الاتفاقيات الدفاعية بحماية الاستقرار، لكن الاستقرار الحقيقي لا يُقاس بعدد الاتفاقيات ولا بنوعية السلاح ولا بتبادل الخبرات العسكرية. الاستقرار يُقاس بمدى السلم الأهلي أو راحة المواطنين، وبقدرة الدولة على إدارة الخلافات السياسية بوسائل ديمقراطية، وباحترام الحقوق الأساسية للمواطنين. في هذا السياق، تبدو الاتفاقية مع فرنسا امتدادًا لسياسة ترى الأمن من زاوية عسكرية بحتة، بينما تتجاهل أن هشاشة الداخل هي التهديد الأكبر، وأن عسكرة العلاقات الخارجية لا تعوّض غياب الثقة بين الدولة والمجتمع.
أمّا حديث الملك عن أن الخيار العسكري لا يكون إلّا "كآخر الحلول"، فيستحق التوقف عنده لا بوصفه إعلان نوايا، بل كمحاولة لطمأنة الخارج والداخل في آن، غير أن التجربة البحرينية خلال العقد الماضي تُظهر أن الدولة غالبًا ما تبدأ من "الأدوات الأمنية" قبل استنفاد الحلول السياسية، وأن مفهوم "آخر الحلول" يبقى فضفاضًا وغير محدّد، يُستدعى عند الحاجة الخطابية، ويُغيّب حين تُتخذ القرارات العملية، فالسياسات الأمنية الصارمة، وإغلاق المجال العام، وتجريم المعارضة، كلها إجراءات سابقة على أيّ حديث جدي عن حلول جامعة.
الأكثر إشكالية أن الاتفاقيات الدفاعية تُوقّع باسم "الأمن الوطني"، بينما تُدار بعيدًا عن أيّ نقاش عام أو رقابة برلمانية حقيقية. المواطن الذي يُطلب منه تحمّل أعباء اقتصادية متزايدة، وتبرير رفع الدعم والتقشف باسم "الظروف الصعبة"، لا يُمنح حق المعرفة أو المساءلة حين يتعلق الأمر باتفاقيات سيادية طويلة الأمد، قد تترتب عليها التزامات سياسية وأمنية ومالية خطيرة. هكذا يتحوّل مفهوم السيادة إلى أداة انتقائية: سيادة تُستحضر لإسكات الأسئلة، وتُغيّب حين تُدار الملفات المصيرية خلف الأبواب المغلقة.
إضافة إلى ذلك، ثمّة بُعد إقليمي لا يمكن تجاهله. توقيع اتفاقية دفاعية في ظل تصاعد التوترات الدولية والإقليمية يكرّس صورة البحرين كجزء من محاور أمنية لا تملك هامشًا مستقلًا فيها. وهنا يصبح الحديث عن "آخر الحلول" العسكري أقرب إلى تطمين لفظي، بينما الوقائع تشير إلى تعميق الارتهان لمنطق القوة والتحالفات العسكرية، بدل تبنّي سياسة خارجية متوازنة تُجنّب البلاد كلفة الصراعات.
وعليه، ليست المشكلة في اتفاقية دفاعية، ولا في زيارة لـ"قوة الدفاع" أو في خطاب يدعو نظريًا إلى تجنّب الحرب. المشكلة في سياسة كاملة تُقدّم الأمن بوصفه شأنًا عسكريًا، وتؤجّل السياسة إلى أجل غير مسمّى. فالأمن الحقيقي في البحرين لن تصنعه باريس ولا غيرها، ولن يتحقق بتوقيع اتفاقيات جديدة، بل يبدأ بخيار واضح: مصالحة وطنية شاملة، والاعتراف بأن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، ولا يُستورد من الخارج، بل يُبنى من الداخل.
- 2026-02-12الطائفية تفوح مجدداً في تخريج دفعة لـ"الحرس الوطني"
- 2026-02-08البرلمان بمنأى عن التقشّف: لماذا لا تُخفّض رواتب الشورى والنواب؟
- 2026-02-07لمّ شمل الأزواج في البحرين مسألة سيادية!
- 2026-02-05صندوق النقد الدولي يشيد بالإصلاحات الاقتصادية البحرينية.. ويطالب بالمزيد !
- 2026-02-04عاطلون من أمام ديوان الخدمة المدنية: نريد فقط التحدث مع المسؤولين