الأوقاف الجعفرية في البحرين: ملك عام موقوف أم أراضٍ مباحة للتعدي؟
2026-02-19 - 4:15 ص
حسين مدن
في أكثر من مناسبة اجتماعية يأتي الحديث عادة بين الأصحاب عن التعدي على الأوقاف، ربما لأن بعضها غير مسجل في التسجيل العقاري، رغم وجودها في أهم وثيقة تاريخيّة تخصها.
أحسست بوجوب صياغة مقال يركز على هذه الإشكالية المهمة.
فالأوقاف الجعفرية في البحرين تمثل أحد أقدم أشكال الملكية العامة ذات الطابع الديني والاجتماعي والخيري، وهي أموال حُبست عينها وسُبّلت منفعتها بإرادة صريحة من الواقفين، وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية ومبادئ الوقف المستقرة تاريخياً وقانونياً. هذه الأوقاف، التي تشمل أراضي مخصصة للمساجد والمآتم والحسينيات والمقابر، إضافة إلى الوقفيات المحبوسة لأغراض تمويل صيانة هذه المنشآت واستثمارها لخدمة المجتمع ومناسباته الاجتماعية والدينية استنادا لمبدأ (الوقف على ما وقف عليه)، فهي ليست ملكاً خاصاً قابلاً للتصرف، بل حق عام دائم لا يسقط بالتقادم ولا يُنزع بالإجراءات الإدارية.
سجل السيد عدنان: مرجعية تاريخية وقانونية مغفلة عمداً
في عامي 1926-1927م، جرى حصر وتوثيق الغالبية العظمى من الأوقاف الجعفرية في سجل رسمي عُرف بـ سجل سيد عدنان، وذلك بموجب أمر متوافق عليه بين الشرع والحُكم ممثلًا في مستشار حكومة البحرين ، وهو سجل تاريخي موثق يبيّن: صفة الوقف، موقع الأرض وحدودها، الجهة الموقوف عليها، وشروط الواقفين.
وقد أُنشئ هذا السجل في فترة الإدارة النظامية للدولة، ويُعد وثيقة رسمية قائمة بذاتها، لا تقل حجية عن التسجيل العقاري اللاحق، بل تسبقه زمنياً وتؤسس له. ومنذ ذلك الحين، توّلت إدارة الأوقاف الجعفرية الإشراف الفعلي على هذه الممتلكات، باعتبارها ناظراً قانونيا بما يكرس وضع اليد الشرعي والقانوني المستمر.
الإشكالية الراهنة: ثغرة التسجيل العقاري أم سياسة الاستيلاء؟
رغم وضوح الوضع الوقفي تاريخياً، تشهد البحرين في السنوات الأخيرة تصاعداً مقلقاً في حالات التعدي على أراضٍ موقوفة، من خلال إعادة تخطيط وتنظيم الملكيات، بما يطلق عليه "المخططات التفصيلية" لمختلف مناطق المملكة، بذريعة أنها غير مسجلة في إدارة التسجيل العقاري، رغم ثبوت وقفها في سجل السيد عدنان ووجودها تحت إدارة الأوقاف الجعفرية.
إن هذا المنطق يمثل إفراغاً لمفهوم الوقف من مضمونه، وتغليباً للإجراء الإداري على الحق الثابت، ومخالفة صريحة للقواعد القانونية المستقرة.
فالقاعدة القانونية العامة تقضي بأن الحق الثابت لا يسقط لعدم تسجيله، خاصة إذا كان مثبتاً بسجلات رسمية أقدم، ومدعوماً بالحيازة والإدارة الفعلية المستمرة.
الأساس القانوني لحماية الأوقاف
1. في الفقه الإسلامي
الوقف عقد لازم غير قابل للإلغاء، وتؤكد القاعدة الفقهية: «الوقف لا يُباع ولا يُوهب ولا يُورث»، وأي تصرف فيه يُعد باطلاً شرعاً، ما لم يصدر به إجازة شرعية من المحاكم الجعفرية ومن فقهاء المذهب الجعفري الإثنا عشري.
2. في القانون
• الأوقاف تُصنف كـ أموال عامة ذات غاية خاصة.
• الأموال العامة لا يجوز تملكها بوضع اليد أو النفوذ.
• عدم تسجيلها العقاري لا يُنشئ ملكية للغير ولا يُسقط صفة الوقف.
3. دستورياً
مبادئ حماية الملكية، واحترام الحقوق المكتسبة، ومنع نزع الملكية إلا للمنفعة العامة وبمقابل عادل، لا تنطبق على الوقف لأنه ليس ملكاً خاصاً للدولة ولا للأفراد.
4. إدارياً
إدارة الأوقاف الجعفرية جهة رسمية قائمة، وإدارتها للأرض تمثل قرينة قانونية قوية لا يجوز تجاوزها بقرار إداري أو تخصيص استثنائي.
خطورة الاستمرار في هذا المسار
إن التغاضي عن التعدي على الأوقاف أو تمريره بصيغ قانونية ملتوية يؤدي إلى ضياع المال الوقفي نهائياً، وتقويض الثقة في مؤسسات الدولة، وانتهاك إرادة الواقفين، وخلق سابقة خطيرة تهدد بقية الأوقاف غير المسجلة.
كما أن تمكين متنفذين من تملك هذه الأراضي يمثل تمييزاً غير مشروع واستغلالاً للنفوذ، ويضرب مبدأ سيادة القانون في الصميم.
مطالب وتوصيات عاجلة
بناءً على ما سبق، فإن المطلوب من الدولة بشكل واضح وحاسم:
1. الاعتراف الصريح والملزم بسجل السيد عدنان كمرجع قانوني وتاريخي لإثبات الوقف وحدوده الجغرافية والمساحية.
2. وقف جميع إجراءات التملك أو التخصيص لأي أرض مذكورة في السجل، بغض النظر عن وضعها في التسجيل العقاري.
3. تسجيل جميع الأوقاف الجعفرية فوراً باسم الوقف حسب ما تم تاسيسها مع الاحتفاظ بالديباجة الوقفية وأغراضها واستخداماتها وتحت إدارة الأوقاف الجعفرية، دون تغيير في طبيعتها أو غاياتها.
4. إلغاء أي تصرف سابق تم على أراضٍ موقوفة ثبت وقفها تاريخياً.
5. تشكيل لجنة مستقلة وشفافة تضم قضاة، وخبراء قانون، ومؤرخين، ومخططين وممثلين عن الأوقاف الجعفرية، لمراجعة جميع ملفات الأوقاف.
6. اعتبار موقع الوقفية ثابتًا بحدوده ومساحته. مع إدخال التحسينات من حيث التصنيف لتدعيم الأهداف الوقفية والخيرية التي أوقف بموجبها.
7. تجريم التعدي على الأوقاف واعتباره اعتداءً على المال العام.
إن الأوقاف ليست ملفاً عقارياً قابلاً للمساومة، بل عقد أخلاقي وتاريخي وشرعي بين الأجيال. وأي مساس بها هو انتهاك لسيادة القانون، وإهدار لحقوق المجتمع، وتفريط بإرث ديني وثقافي لا يملك أحد حق التصرف فيه.
حماية الأوقاف اليوم ليست خياراً، بل اختبار حقيقي لمدى احترام الدولة للقانون، وللحقوق التاريخية الثابتة لمواطنيها.
- 2026-02-16العدالة الانتقالية.. المهمة غير المنجزة
- 2026-02-14عقد و نصف من الحقوق المعلّقة والحقوق المؤجَّلة
- 2026-02-13ذكريات متنازع عليها في 14 فبراير… هل يُذكر اسمنا في تاريخ الثورات الدستورية؟
- 2026-01-25هل نحتاج لفحص مصداقية تهديد إيران لأعدائها؟
- 2026-01-18البحرين في التموضع التاريخي الأصعب إزاء إيران: لماذا نظام الجمهورية الإسلامية أسلم للبحرين والمنطقة من نظام شاهنشاهي جديد؟