سيكولوجية الحصار وهوس "الولاء": تفكيك عقيدة الحاكم حمد بن عيسى تجاه الشيعة

2026-02-24 - 8:38 م

مرآة البحرين: لا تقدم وثيقة ويكيليكس رقم (06MANAMA409) مجرد محضر لاجتماع دبلوماسي عابر، بل هي "صورة أشعة" سينية تكشف العقل الباطن للنظام الحاكم في البحرين. في تلك الجلسة "الخاصة" بقصر الصافرية عام 2006، نزع الملك حمد بن عيسى آل خليفة قفازات "المشروع الإصلاحي" الحريرية، ليتحدث بلغة الأرقام والهواجس الأمنية الصرفة مع السفير الأمريكي ويليام مونرو.

إن التدقيق في كلمات الملك حول الشيعة يكشف عن استراتيجية حكم تقوم على "الارتياب الممنهج"، وتحويل المواطنين الأصليين إلى "كتلة صماء" تُراقب بدقة المجهر.

أخطر ما ورد في الوثيقة هو اعتراف الحاكم حمد الصريح بأن استبعاد الشيعة من القيادات العسكرية والأمنية ليس صدفة أو نقصاً في الكفاءات، بل هو "قرار سيادي" نابع من التشكيك في الولاء. يقول الملك نصاً: "الأمر يتعلق بالولاء ،طالما أن خامنئي يحمل لقب القائد الأعلى، فعلينا أن نقلق".
هذا المنطق ينسف مفهوم "الدولة الوطنية" من جذوره. فبدلاً من أن تعمل السلطة على استيعاب مواطنيها وتعميق انتمائهم عبر العدالة والمساواة، اختارت "العزل الطائفي". حاكم الصافرية هنا يمارس عملية "إسقاط سياسي"؛ فهو يفترض أن كل بحريني شيعي هو بالضرورة "جندي احتياط" في الحرس الثوري الإيراني. هذا الربط القسري بين المذهب والتبعية السياسية الخارجية هو "الخطيئة الكبرى" التي استخدمها النظام لتبرير بناء جيش وقوات أمنية "صافية مذهبياً" أو معتمدة على المجنسين، لضمان ولائها للقصر لا للوطن. بالنسبة للمعارضة، هذا التصريح هو الوثيقة الرسمية التي تثبت أن "الطائفية" في البحرين ليس مجرد ممارسات فردية، بل هو "عقيدة ملكية".

تنتقل الوثيقة لتكشف أن حاكم البحرين وجهازه الأمني يراقبون أدق تفاصيل حياة الرموز الدينية. حديثه عن زيارات آية الله الشيخ عيسى قاسم إلى إيران وتفسيرها بأنها "سعي لألقاب دينية أعلى" يعكس رغبة محمومة في "تقزيم" القامة الروحية والوطنية للشيخ.
السلطة تشعر بعقدة نقص أمام الزعامات التي تمتلك "الشرعية الشعبية" التلقائية، لذا تحاول في جلساتها مع الأجانب تصوير هذه الزعامات كشخصيات "طموحة للسلطة" أو "باحثة عن ألقاب". إن قلق حاكم البحرين من احتمال إعلان الشيخ قاسم كصاحب "ولاية فقيه" في البحرين، كما نقلت الوثيقة، يوضح أن القصر يعيش حالة "ذعر تشريعي"؛ فهو يخشى من وجود مرجعية أخلاقية وروحية داخل البلاد تضاهي "سلطة الأمر الواقع" التي يمتلكها هو. هذا الهوس بالشيخ عيسى قاسم منذ 2006 هو الذي مهد الطريق لاحقاً لمحاصرته في الدراز وإسقاط جنسيته في 2016؛ فالبذرة الأمنية كانت موجودة ومسجلة في تقارير السفارة الأمريكية قبل سنوات من "الربيع العربي".

ولم يتوقف حاكم البحرين عند الجانب الديني، بل ذهب نحو "النبش العِرقي"، حيث أشارت الوثيقة إلى حديثه عن البحرينيين من أصول إيرانية (العجم). إن إقحام مسألة "استفتاء الأمم المتحدة عام 1970" في سياق الحديث عن مواطني اليوم هو محاولة خبيثة لـ "نزع الشرعية" عن وجودهم.
الملك يريد أن يقول لواشنطن: "هؤلاء ليسوا بحرينيين حقيقيين، بل هم امتداد جغرافي وتاريخي لعدوكم في طهران". هذا النوع من الخطاب هو "زرع بذور الفتنة" من أعلى الهرم؛ فعندما يشكك رأس الدولة في أصول مواطنيه، فإنه يمنح الضوء الأخضر لأجهزته الإعلامية والأمنية لشن حملات التخوين والتحريض. المواطن البحريني يرى في هذا الجزء من الوثيقة دليلاً على أن النظام لم يؤمن يوماً بـ "البحرنة الشاملة"، بل يفضل دائماً تصنيف المواطنين إلى (درجة أولى ودرجة ثانية) بناءً على "فحص الحمض النووي السياسي" والولاء المطلق للديوان.

تتوسع الوثيقة في تناول "قانون أحكام الأسرة"، وهنا يظهر حاكم البحرين كمناور بارع. هو لا يهتم بحقوق المرأة بقدر ما يهتم باستخدام هذا الملف كـ "هراوة" لضرب المعارضة الشيعية وتصويرها كقوى "ظلامية" أمام الغرب.
قوله: "سنمضي قدماً بالنسخة السنية وحدها" هو إقرار صريح بسياسة "فرق تسد". الملك كان يعلم أن للمجلس العلمائي والعلماء الشيعة تحفظات شرعية وتخوفات من سلب صلاحيات المذهب، وبدلاً من الحوار الوطني الشامل، اختار "الابتزاز التشريعي". لقد أراد الملك إحراج النواب الشيعة (الوفاق) وإظهارهم بمظهر المعطلين للتنمية والحقوق، بينما كان هدفه الحقيقي هو تفتيت الكتلة الشيعية وجرها إلى صدامات جانبية تستنزف رصيدها الشعبي والسياسي.

في نهاية الوثيقة، يعبر حاكم البحرين عن "إحباطه" من استمرار المظاهرات، ليس لأنها تسبب أزمة معيشية، بل لأنها "تعطي صورة مبالغاً فيها عن عدم الاستقرار". هذه الجملة تلخص فلسفة الحكم في البحرين: "المهم هو البرواز وليس اللوحة".
الحاكم في البحرين مهووس بـ "الصورة الدولية"؛ هو يريد بحريناً تبدو في تقارير العلاقات العامة كواحة للاستقرار والتجارة، بينما في الواقع يرزح نصف شعبها تحت طائلة التمييز والارتقاب الأمني. انزعاجه من الناشط عبد الهادي الخواجة واتهامه بـ "تزييف الحقائق" في ذلك الوقت، يظهر أن السلطة كانت تضيق ذرعاً بالعمل الحقوقي المنظم الذي يفضح ممارساتها خلف الستار. إن "دقة" حاكم البحرين في رصد حتى المظاهرات "المحدودة" تؤكد أن القصر لا ينام وهو يعلم أن هناك صوتاً في الزقاق يطالب بالحرية.


استراتيجية "الجزرة المسمومة" للمعارضة
كشفت الوثيقة عن محاولات الملك "شراء" المعارضين في الخارج، وتحديداً في لندن. عرضه لمناصب وزارية أو مشاريع تجارية (كما في حالة سعيد الشهابي) ليس رغبة في "المصالحة"، بل هو رغبة في "الإخصاء السياسي". السلطة في البحرين تعتقد أن كل معارض هو "مشروع تاجر" ينتظر الفرصة المناسبة، وحين يصطدمون بصلابة الموقف المبدئي، يتحولون فوراً إلى لغة "التخوين والتمويل الإيراني". هذه الثنائية (المال أو التهمة) هي التي أدار بها حمد بن عيسى ملف المعارضة طوال عقدين؛ فإما أن تكون "معارضاً تحت السيطرة" داخل البرلمان الصوري، أو تكون "خائناً مرتهناً للخارج" في منافي لندن وقم.


زبدة الكلام: الوثيقة كدليل إدانة تاريخي
إن ما كشفته ويكيليكس عن "دقة" و"هواجس" حاكم البحرين تجاه الشيعة يفسر كل ما حدث بعد عام 2006. يفسر لماذا انفجر الشارع في 2011، ولماذا هدمت السلطة مساجد الشيعة، ولماذا استدعت جيوشاً أجنبية (درع الجزيرة) لقمع تظاهرات سلمية.
إنها ليست "أزمة ثقة" عابرة، بل هي "عقيدة حكم" تقوم على أن بقاء "آل خليفة" مرهون بإضعاف المكون الشيعي وتهميشه واستجداء الحماية الخارجية.
المواطن البحريني اليوم، حين يقرأ هذه السطور، لا يتفاجأ، بل يشعر بالأسى لأن "رأس الدولة" الذي يفترض أن يكون أباً للجميع، يجلس مع سفير أجنبي ليحرض على مواطنيه، ويصفهم بأنهم "خطر" يجب سحقه لولا المظلة الأمريكية. إنها وثيقة "السقوط الأخلاقي" للسيادة، وشهادة ميلاد "الدولة الأمنية" التي نعيش مراراتها اليوم.