قراءة نقدية في التغطية الإعلامية للأسبوع الأول من الحرب
حرب الروايات في الخليج: الإعلام الرسمي وصوت المجتمع المقموع
أحمد رضي - 2026-03-08 - 9:24 م
كيف تكشف الحرب الجارية في المنطقة عن فجوة سياسية وإعلامية عميقة بين الرواية الإعلامية الرسمية وصوت المجتمع في الخليج؟
لم تكن الصواريخ وحدها هي التي تخترق سماء المنطقة في الأسبوع الأول من الحرب بين المحور الأمريكي-الإسرائيلي وإيران، بل كانت هناك حرب أخرى لا تقل ضراوة: حرب الروايات الإعلامية. وفي السياق البحريني، لا تبدو هذه المواجهة السردية حدثاً طارئاً، بل امتداداً لنمط تاريخي يكشف عن الهوة العميقة بين الخطاب الرسمي الذي تبثه الشاشات الحكومية، وصوت المجتمع الذي يجد نفسه وقوداً لصراعات تتجاوز خياراته وإرادته.
نمط إعلامي متكرر: من التسعينات إلى اليوم
لفهم التغطية الإعلامية الرسمية لهذه الحرب، لا بد من العودة إلى تاريخ إدارة الأزمات في البحرين. فمنذ انتفاضة التسعينات، مروراً بأحداث ثورة 14 فبراير 2011، وصولاً إلى اليوم، اتبع الإعلام الرسمي عبر منصاته الرئيسية مثل وكالة أنباء البحرين وتلفزيون البحرين استراتيجية شبه ثابتة تقوم على تقديم رواية أمنية بحتة، وربط أي صوت معارض بأجندات خارجية، وتهميش السرديات الشعبية.
في كل مرة كانت العناوين الرسمية تركز على مفردات مثل "المؤامرة" و"الدفاع عن الوطن" و"التصدي للخطر"، بينما يتم تجاهل الأسباب السياسية والاجتماعية للأزمات. وما نشهده اليوم ليس إلا امتداداً لهذا النهج، حيث تم استبدال "التهديد الداخلي" بـ"التهديد الإيراني"، مع استخدام الأدوات الخطابية ذاتها لتكريس رواية أحادية وإقصاء أي تساؤلات حول طبيعة التحالفات القائمة.
الإعلام الرسمي بين إدارة الأزمة وتكريس الرواية
مع انطلاق الشرارة الأولى للصراع، سارعت وسائل الإعلام الرسمية في دول الخليج إلى أداء دورها التقليدي في إدارة الأزمات؛ فبثّت رسائل تهدئة، وقدمت توجيهات أمنية، وأكدت جاهزية الأجهزة الدفاعية بهدف منع الهلع والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية. وهذه وظيفة مفهومة بل وضرورية في أوقات الحروب، حيث يصبح ضبط الإيقاع النفسي للمجتمع جزءاً من إدارة الأزمة.
غير أن هذا الدور لم يقتصر على التهدئة، بل تحول سريعاً إلى تكريس رواية سياسية محددة تهيمن على الفضاء الإعلامي. فبمراجعة العناوين والتقارير الإخبارية لعدد من القنوات الإقليمية خلال الأسبوع الأول من الحرب، يتضح أن الخطاب الإعلامي اتخذ أنماطاً لغوية متكررة تعكس التوجهات السياسية لكل منصة. فقد استخدمت بعض القنوات مفردات مثل "الاعتداء الإيراني"، و"الرد الدفاعي"، و"التصدي الناجح"، وهي مصطلحات تؤطر الحدث ضمن سردية الأمن والدفاع. في المقابل، اعتمدت قنوات أخرى مفردات مثل "الرد المشروع"، و"محور المقاومة"، و"التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي"، ما يضع الحدث ضمن إطار مواجهة جيوسياسية أوسع.
كما برزت عناوين من قبيل: «دفاعاتنا تتصدى بنجاح لاعتداء إيراني غاشم». مثل هذه الصياغات لا تكتفي بنقل الحدث، بل تعيد صياغته ضمن سردية واضحة تقوم على ثنائية (العدوان مقابل الرد المشروع). هذا الاختيار للمفردات ليس تفصيلاً لغوياً عابراً، بل يعكس ما يعرف في دراسات الإعلام بمفهوم التأطير الإعلامي (Framing)، بوصفه إحدى أهم الأدوات التي تستخدمها المؤسسات الإعلامية لتوجيه فهم الجمهور للأحداث السياسية.
المشهد الإقليمي: الإعلام كساحة صراع
إقليمياً، تحولت القنوات الإخبارية الكبرى إلى جبهات إعلامية متصارعة، حيث تعمل كل منصة كامتداد للبيئة السياسية التي تنتمي إليها. فقد انقسم المشهد بين منصات تروج لخطاب "الردع الضروري" مثل (العربية، سكاي نيوز عربية، الحرة، الحدث)، ومنصات تتبنى خطاب "المقاومة المشروعة" مثل (الميادين، المنار، العالم). لكن اختزال المشهد الإعلامي في هذه الثنائية يبقى تبسيطاً لواقع أكثر تعقيداً. فالإعلام المعاصر أصبح جزءاً من منظومة (القوة الناعمة) التي تستخدمها الدول للتأثير في الرأي العام وصياغة التصورات السياسية على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي خضم هذا الصراع على عقل المشاهد، غالباً ما يضيع صوت المواطن العربي الذي يدفع الثمن الحقيقي للحرب من أمنه واستقراره ومستقبله. وحتى المنصات التي تحاول تقديم تغطية أوسع مثل (الجزيرة، العربي)، تميل في كثير من الأحيان إلى التركيز على التحليلات العسكرية والاستراتيجية، فيتحول النقاش إلى سؤال: من سيربح الحرب؟ بدلاً من السؤال الأهم: من هم الضحايا الحقيقيون؟
البحرين نموذجاً: صراع الروايات وصوت الشباب
تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في الحالة البحرينية. فبينما يركز الإعلام الرسمي على خطاب "التهديد الإيراني" وضرورة الاصطفاف مع الحلفاء، يظهر في الفضاء العام غير الرسمي -خصوصاً الرقمي- وعي شعبي مركب ينظر بعين الريبة إلى هذه التحالفات. هذه الفجوة ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لنمط طويل في إدارة الأزمات الإعلامية ترسّخ عبر عقود من تقديم رواية أمنية موحدة تربط الأصوات المعارضة بأجندات خارجية، مع تجاهل الأسباب السياسية والاجتماعية للأزمات.
وهنا تتجاوز الإشكالية الإعلام لتصل إلى بنية الخطاب السياسي نفسه. فالمشكلة ليست في مفهوم الوطنية، بل في تحويلها إلى أداة لضبط المجال العام، وهو ما وصفه المفكر الإيراني علي شريعتي بمفهوم "الاستحمار الاجتماعي"؛ أي تزييف وعي الجماهير عبر شعارات مقدسة (دينية أو وطنية) بهدف إسكات الأسئلة المشروعة. وعندما تتحول الوطنية من إطار جامع إلى معيار لتصنيف المواطنين بين "موالٍ" و"متشكك"، فإنها تفقد جوهرها الأخلاقي وتتحول إلى أداة للضبط السياسي.
من اتفاقيات أبراهام إلى حرب المحاور
يمكن ملاحظة هذه الفجوة أيضاً في محطات سياسية حديثة، مثل الموقف من اتفاقيات أبراهام. فبينما قدم الإعلام الرسمي هذه الاتفاقيات بوصفها "إنجازاً تاريخياً" و"خطوة شجاعة نحو السلام"، شهدت الساحة الشعبية والمنصات الرقمية موجة رفض واسعة. هذا التباين يجسد بوضوح صراع الروايات: رواية رسمية تحتفي بالقرار السياسي، ورواية شعبية تتمسك بالهوية والقناعات التاريخية. وفي سياق الحرب الحالية يتكرر المشهد ذاته؛ فالسردية الرسمية تضع المواطن في خندق واحد مع حلفاء استراتيجيين ضد "عدو مشترك"، بينما يرى جزء معتبر من الوعي الشعبي أن الصراع يمثل انخراطاً في حرب محاور إقليمية لا تخدم مصالح المجتمع.
أزمة الثقة: ما بعد صراع الروايات
التحدي الحقيقي الذي يواجه الإعلام الرسمي في البحرين اليوم لا يقتصر على المنافسة مع المنصات الرقمية، بل يتمثل في أزمة ثقة متزايدة بينه وبين الجمهور. فكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب الرسمي وتجارب الناس اليومية، ازداد اعتماد الجمهور على مصادر بديلة للمعلومات. وفي هذه البيئة الإعلامية المفتوحة، لم يعد احتكار الرواية ممكناً. لقد كسر جيل الشباب هذا الاحتكار عبر الفضاء الرقمي، الذي أصبح الساحة الأساسية لبناء ما يمكن وصفه بـ"الرواية المضادة". وهذا الصوت الرقمي ليس مجرد ضجيج إلكتروني، بل مؤشر واضح على مزاج شعبي حقيقي يعكس عمق أزمة الثقة في المجال العام.
ما بعد القمع: هل نعاني من "متلازمة ستوكهولم الإعلامية"؟
لكن التحليل الأكثر إثارة للقلق يتجاوز ثنائية الإعلام الرسمي والجمهور المعارض. فالسؤال الأعمق هو: هل ترك القمع الإعلامي طويل الأمد أثراً نفسياً في المجتمع؟
يمكن تشبيه هذه الحالة بما يعرف في علم النفس بـ "متلازمة ستوكهولم الإعلامية"، فبعد سنوات طويلة من التعرض لخطاب أحادي، قد يبدأ جزء من المجتمع - حتى من يشكك في الرواية الرسمية - في تبني منطقها بشكل غير واعٍ كآلية للتكيف النفسي. نسمع أنفسنا نردد عبارات مثل "الأمن أولاً" أو "هناك مؤامرة خارجية" لا عن اقتناع كامل، بل كوسيلة لتجنب الصدام مع واقع يصعب تغييره. في هذه الحالة يصبح المجتمع أحياناً شريكاً غير واعٍ في إعادة إنتاج الخطاب الذي يقيده. وهنا تكمن المفارقة: فالتحدي لا يتمثل فقط في نقد الرواية الرسمية، بل في التحرر من آثارها النفسية العميقة.
خاتمة: نحو إعلام يعترف بالتعقيد
إن التعامل مع هذه الأزمة لا يكون عبر الحلول الأمنية التي توسع الفجوة، بل عبر خطوات حقيقية لبناء الثقة، تبدأ بالتوقف عن تجريم الأصوات الناقدة وفتح مساحات فعلية للحوار. إن أزمة التغطية الإعلامية في أوقات الحرب تكشف عن خلل أعمق في العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود روايات متصارعة، بل في غياب المساحة التي تسمح بظهور التعددية في الرأي. وبالتالي مهمة الإعلام الحقيقي ليست ترديد البيانات الرسمية ولا الانخراط في دعاية مضادة، بل الاعتراف بتعقيد الواقع وإعطاء مساحة للأصوات المختلفة داخل المجتمع.
في زمن الحروب لا تصبح الحقيقة أولى الضحايا فحسب، بل يصبح البحث عنها واجباً أخلاقياً وضرورة إنسانية. فالمجتمعات لا تفقد استقرارها بسبب الصراعات وحدها، بل عندما يفقد الناس الثقة في الرواية التي تُقال باسمهم.
- 2026-03-08تصاعد الرفض الخليجي والدولي ضد الحرب على إيران
- 2026-03-07القبضة الأمنية وتوظيف الحرب في المنطقة في مواجهة الصورة
- 2026-03-05خمسة أيام على الحرب الأمريكية ضد إيران: البحرين عالقة في حرب الأجنبي
- 2026-03-03كيف تهاوت خرافة الحماية الأمريكية خلال يومين من الحرب؟
- 2026-03-01شعب البحرين يُطالب الحُكم بتوفير الأمان بدل استضافة قواعد الخطر الأمريكي!