البحرين تعود لنهج التعذيب.. السيد محمد الموسوي شهيدًا

2026-03-28 - 9:20 ص

فُجعت البحرين ظهر يوم أمس الجمعة 27 مارس بنبأ استشهاد المعتقل سيد محمد الموسوي (32 عامًا) نتيجة تعرضه للتعذيب، بعد أسبوع على اعتقاله من إحدى نقاط التفتيش. الجهات الأمنية اتصلت بعائلة الشهيد وطلبت منهم الحضور للمستشفى العسكري، حيث وجدوه جثة هامدة تظهر عليها آثار تعذيب،

صور بشاعة التعذيب والتي انتشرت سريعًا على وسائل التواصل الاجتماعي نزلت كالصاعقة على المجتمع البحريني، وعلى إثر ذلك توجهت الجماهير لمقبرة المحرق حيث شيعو الشهيد، واعتلت هتافاتهم المنندة بحاكم البلاد حمد بن عيسى وسياسات حكومته الديكتاتورية.

بحسب مدير معهد البحرين للحقوق والديمقراطية "بيرد" سيد أحمد الوداعي، جهاز الأمن الوطني بقيادة اللواء بسام المعراج متورّط في تعذيب السيد محمد الموسوي حتى وفاته، فيما ما يزال مصير ستة أشخاص اعتُقلوا معه مجهولًا، فهم مخفيون قسرًا، وهو ما يُعد جريمةً ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي.

وزارة الداخلية اعترفت بأن الموسوي كان موقوفا لدى جهاز المخابرات الوطني، على ذمة قضية "سعي وتخابر ونقل معلومات وبيانات إلى الحرس الثوري الإيراني"، وهي التهم التي طالما استخدمتها السلطة لاستهداف بيئة المعارضة، والتي عادت للمشهد الراهن على خلفية مساهمة الحكومة البحرينية في العمليات العسكرية الأمريكية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

من جانب آخر، أثار حقوقيون مخاوف من إخضاع رفاق الشهيد لظروف مشابهة لما تعرّض له، حيث اعتُقلوا جميعا من سيارتهم، ومُنعوا من الاتصال بذويهم منذ ذلك الحين.

المسألة الخطيرة في هذه الجريمة الموصوفة هي عودة التعذيب الموثّق الى الواجهة على صعيد أداء الأجهزة الأمنية. الصور المنتشرة للشهيد على المغتسل لا يمكن تكذيبها في ظلّ آثار تعذيب لا يمكن تصوّرها تعرّض لها المعتقل، الأمر الذي دعا وزارة الداخلية لإصدار بيان شكك في دقة صور إصابات الضحية، في محاولة لتخفيف الحرج من هول ما ظهر على جسد الشهيد من آثار، مدعيةًبأن الصور استُخدمت بقصد الاستثارة، مشيرة الى أنه تمّ إخطار وحدة التحقيق الخاصة بالنيابة العامة للتحقيق في الواقعة والتثبّت من ظروف الإصابة والأسباب التي أدت إلى الوفاة، وهو الأسلوب الذي عادة ما تلجأ له الجهات الأمنية لاحتواء أي حدث، والتستر على الجناة.

استعاد البحرينيون مشاهد ظنّوا لوهلة أنهم نسوها، ولاسيّما في ظلّ دعاية السلطة وأجهزتها لعناوين مثل السلام والتسامح، لكن يبدو أن الأسلوب الأمني مُتجذّر في عقلية هذه الأجهزة، وخطاب الكراهية يُعاد إنتاجه بلا رادع أو مراجعة لكلّ سنوات الأزمة والاحتقان الشعبي.

وعليه، لا يمكن قراءة جريمة قتل الموسوي تحت التعذيب كخطأ فردي أو تجاوز من عناصر أمنية، بل كعودة إلى سياسة قديمة تُعيد تصدير مشهد الرعب لتحقيق غايات سياسية، فالدولة التي روّجت لنفسها تحت عناوين التعايش، تعود اليوم إلى أداتها الأكثر بدائية.

الرسالة هنا ليست موجّهة إلى الضحية وحدها، بل إلى المجتمع بأكمله: هذا ما ينتظركم إن تجاوزتم الخطوط. إنها سياسة ترهيب جماعي، تُستخدم فيها أجساد المعتقلين كوسيلة عرض، وكأن السلطة تقول إنها ما تزال تملك القدرة على القمع، حتى وإن فقدت القدرة على الإقناع.

عجز الدولة عن إنتاج خطاب سياسي، وعن معالجة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، يُلجأها إلى الاستعانة بأدوات القمع كبديل عن الإصلاح الحقيقي لمنظمومتها الفاسدة. وقد أثبتت التجربة البحرينية تاريخيًا، أن التعذيب لم يكن يومًا وسيلة استقرار، بل كان دائمًا مقدمة لمزيد من الاحتقان. فمنذ عقود، وثّقت تقارير حقوقية أن التعذيب كان ممارسة متكررة داخل منظومة التحقيق والسجون، وغالبًا ما اقترن بانتزاع اعترافات قسرية وحرمان من المحاكمة العادلة.

استشهاد سيد محمد الموسوي لا يكشف فقط عن جريمة، بل عن عقلية حُكم. عقليةٌ ترى في القمع وسيلة حكم، وفي الخوف أداة إدارة، وفي التعذيب لغة تواصل مع المجتمع.

لكن السؤال الذي تفرضه هذه الجريمة اليوم: إلى متى ستبقى الدولة في البحرين عاجزة عن إنتاج صيغة حُكم حضارية تليق بشعب البحرين؟ وهل يمكن لنظام يعتمد على ترهيب شعبه أن يدّعي الاستقرار، أم أنه يراكم أسباب انفجاره القادم؟