«التنظيم الكذبة».. وقائع جديدة ومعلومات خاصة عمّا يحدث مع العلماء المعتقلين في البحرين

2026-06-14 - 5:54 ص

مرآة البحرين: قضية العلماء الـ41، والتي بدأت في التاسع من مايو الماضي، استُهلّت ببيان ودعاية أمنية مضخّمة، ساقت اتهامات عابرة للحدود، واستمرت بصمتٍ ثقيل يبتلع البشر من خلف الأبواب.
فقد صرّحت وزارة الداخلية حينها باكتشاف تنظيمٍ مرتبط بالحرس الثوري الإيراني، وأقحمت فكرة "ولاية الفقيه" كإطار للاتهام، وأشارت إلى أن القضية تمسّ الأمن الوطني.

بعد كل ذلك، ظهرت ملامح القصة الحقيقية: علماء دين محتجزون، وأماكن احتجاز مجهولة، وأدوية وملابس ومتعلقات شخصية ممنوعة، ومحامون مهدَّدون، وحرمان من الاتصال والزيارة.

اختلفت الصورة الحقيقية تمامًا عن الرواية الرسمية، فنحن أمام قرار توقيف طويل يصل إلى ستة أشهر، في قضية تطال علماء دين شيعة، بينهم أسماء معروفة في الخطابة والإرشاد الاجتماعي والعمل الديني العلني.

القصة هنا ليست عن تنظيم مسلح جرى ضبطه في الظلام، وإنما عن تحويل بيئة دينية كاملة إلى مسرح اتهام، وعناصره هي الخمس، والوكالات الشرعية، والمجالس، والعلاقات بين العلماء، وحتى أموال الزوجات وحصالات الأطفال.

طريقة تعامل الأجهزة المعنية مع المحامين كشفت جانبًا مهمًا من طبيعة القضية، فأغلب المحامين الموكَّلين للدفاع عن المعتقلين لم يُدعوا أصلًا إلى حضور جلسات التحقيق في النيابة العامة، والتي جرت بعد أسابيع من احتجاز العلماء لدى جهاز المخابرات. أما من تمكّن منهم من الحضور فكان ممن استجابوا سريعًا لما يشبه الاتصال، إذ لم يتجاوز الأمر (رنّةً واحدة) لإثبات دعوة المحامي للحضور، وهو إجراء استدعى اعتراضًا من بعض المحامين، ردّت عليه النيابة العامة بالتهديد بالإحالة إلى مجلس التأديب!
هكذا تبدو العدالة لدى السلطات في الوضع الحالي، فالمحامي يُستبعد عن الحضور، والمعتقل لا يُمكَّن من الالتقاء به، والنيابة التي يُفترض بها حماية إجراءات التحقيق تتحول إلى جزء من ماكينة الترهيب.

أما من تمكّن من حضور جلسات التحقيق فقد خرج بانطباع صادم، فالأدلة التي تُساق ضد العلماء هزيلة إلى حد الفضيحة، وما جرى مع الشيخ جعفر عاشور يكفي لفهم المنطق الأمني، فالرجل معروف في البحرين بنشاطه في القضايا الاجتماعية والإصلاح الأسري وتوجيه المقبلين على الزواج، إلا أن ما خلصت إليه مجريات التحقيق مع سماحته أن اعتقاله جرى على خلفية امتداح الشيخ هاني البناء، في إحدى المناسبات، لعمله.
فهل أصبح الثناء دليلًا على الانخراط في تنظيم مزعوم؟ أم أن العلاقات الاعتيادية بين العلماء استحالت خلايا تتبع الحرس الثوري؟

أسئلة التحقيق كشفت بدورها عن عمق الأزمة القانونية، إذ سُئل بعض العلماء الموقوفين عن أماكن إقامة صلواتهم، ثم عن الفرق بين ولاية الإمام علي وولاية الفقيه!
أسئلة تفتيش مذهبي، لا أسئلة تحقيق "جنائي" كما يُعلنون. فالسلطة هنا لا تبحث عن فعلٍ مجرَّم قانونًا، وإنما تعمل على تفكيك عقيدة جماعةٍ بكاملها لتعيد تركيبها في صورة جريمة.

اليوم، أصبح كل ما يدور في المجال الديني الشيعي يحمل قابلية التحول إلى قرينة: مجلس، وخطبة، وخمس، ومرجعية، وعلاقة اجتماعية، ومساعدة مالية.
حتى أن ما جرى من مصادرة للأموال من منازل العلماء تمّ من دون تمييز بين ما إذا كانت المبالغ المالية تعود إلى المعتقلين أنفسهم أم إلى أفراد عائلاتهم، إذ لم تُستثنَ حتى حصالات أطفالهم وأجهزتهم الإلكترونية المستخدمة للدراسة عن بُعد، ووُضعت جميعها تحت عنوان واحد: تمويل الحرس الثوري!

الأمر الذي أثار قلق المتابعين أن الإجراءات القضائية لم تبدأ من الأدلة، وإنما من خطاب وزير الداخلية. فأجواء القضية لا تشبه تحقيقًا قضائيًا، بل هي أقرب إلى قرار سياسي يبحث عن صيغة قانونية، فوزير الداخلية أصدر الرواية، والنيابة العامة تعمل على صياغتها، والقضاة سيجتهدون في تحويلها إلى أحكام بمقاس محدد، تلبيةً لرغبة في الردع أو الانتقام.

أما الهواجس التي تشغل عائلات العلماء المغيَّبين فأهمها مكانُ احتجازهم وظروفه، فهل هم في إدارة التحقيقات؟ أم في مباني الأمن الوطني؟ أم نُقلوا إلى المبنى رقم 15 في سجن جو المركزي، وهو المبنى الذي ارتبط مؤخرًا بحادثة وفاة معتقل تحت التعذيب؟

إن مجريات قضية العلماء تضع القانون في البحرين أمام اختبار جدي لمعناه، فنحن أمام منظومة لا تبحث عن الحقيقة، بل تفرض الرواية بالقوة.
القضية، وكما ظهر من كواليسها، لا تمثل في الواقع تنظيمًا أمنيًا، وإنما تعكس محاولةً لضبط المجال الديني الشيعي، ورسالةً قاسية لكل عالم ومنبر بأن الدين الذي لا يتماهى مع منهج السلطة يمكن إلباسه زيّ الخيانة متى شاءت.