الشهيد والثورة: كيف أعاد هادي المدرسي قراءة كربلاء بوصفها مشروعاً للتغيير؟
عبد الله البحراني - 2026-06-21 - 4:56 ص
مرآة البحرين: في مطلع السبعينيات، وبينما كان العراق يرزح تحت وطأة تحولات سياسية عاصفة مع صعود حزب البعث للسلطة، برز اسم السيد هادي المدرسي (مواليد كربلاء 1947) كشخصية فكرية وحركية مؤثرة. عرف المدرسي بنشاطه السياسي والديني المبكر في العراق والبحرين، حيث يُنظر إليه لدى قطاع من الإسلاميين البحرينيين بوصفه أحد مهندسي الوعي الرسالي منذ وصوله إلى المنامة عام 1969. لقد كان وكيلاً للإمام الخميني وأسس حركات شبابية إسلامية سعت لتأطير الوعي الديني في قوالب ثورية، ويرى بعض الباحثين أن أفكاره أسهمت في تشكيل البيئة الفكرية التي خرجت منها لاحقاً بعض التنظيمات الإسلامية السياسية في البحرين.
وقد ظل هادي المدرسي شخصية مثيرة للجدل في الفكر الإسلامي المعاصر؛ فبينما رأى فيه أنصاره مفكراً أسهم في نقل الخطاب الديني من دائرة الوعظ التقليدي إلى فضاء التغيير الاجتماعي والسياسي، اعتبره منتقدوه أحد أبرز منظّري الإسلام الحركي في المنطقة. ومن قلب هذا الجدل الفكري والسياسي وُلد كتاب "الشهيد والثورة"، الذي لم يُكتب ليكون مجرد سرد جديد لمأساة كربلاء، بل محاولة لإعادة تقديمها بوصفها مدرسة دائمة للوعي والمقاومة؛ حيث تتحول الشهادة من واقعة تاريخية إلى مشروع للتغيير، وتتحول الثورة من حدث عابر إلى رؤية أخلاقية وسياسية للحياة.
• كتاب في زمن المواجهة
لم يكن اقتناء "الشهيد والثورة" في عراق السبعينيات مجرد فعل ثقافي، بل كان مغامرة قد تعرض صاحبها للملاحقة والتضييق. ففي الوقت الذي كان فيه النظام البعثي يسعى لتجفيف منابع الفكر الديني الحركي، برز المدرسي ليقدم قراءة مغايرة للحدث الحسيني، محولاً المظلومية التاريخية إلى أداة لمقارعة الاستبداد. وتذكر الروايات التاريخية وشهادات المعاصرين، أن الكتاب تعرض لحملات مصادرة واسعة في العراق، ووصل الأمر إلى اعتباره تهمة سياسية تستوجب الملاحقة والتضييق، مما اضطر المؤلف لاحقاً لمغادرة البلاد ومواصلة مشروعه من المنفى، ليجد في البحرين ــ بحسب عدد من المراقبين والباحثين ــ ساحة خصبة لنشر هذا الفكر وتكريس مفهوم "الرسالية" في صفوف شريحة من الشباب الصاعد آنذاك.
• من "الشهيد الخالد" إلى "الشهيد والثورة"
لا يمكن فهم القفزة النوعية التي قدمها المدرسي دون ربطها بالمناخ الفكري الذي ساد المنطقة آنذاك. فقد شهدت تلك المرحلة جدلاً واسعاً أثارته أطروحات الشيخ نعمة الله صالحي نجف آبادي في كتابه «الشهيد الخالد»، الذي أعاد قراءة النهضة الحسينية بوصفها مشروعاً إصلاحياً وسياسياً سعى إلى تغيير الواقع القائم وإقامة الحكم العادل، بدلاً من حصرها في إطار السعي المقصود إلى الشهادة. وقد أثارت هذه القراءة نقاشات حادة في الأوساط الحوزوية والدينية، وفتحت الباب أمام مقاربات جديدة لفهم أهداف الثورة الحسينية.
وفي الوقت الذي اتجه فيه الشيخ محمد مهدي شمس الدين إلى مقاربة أكثر تاريخية وتحليلية للنهضة الحسينية، مضى هادي المدرسي - متقاطعاً مع بعض أفكار علي شريعتي ومرتضى مطهري - نحو توظيف هذه القراءة في بناء خطاب حركي موجه إلى الجمهور والشباب. فإذا كان شريعتي قد قدم الحسين رمزاً لمواجهة الاستضعاف والهيمنة، وركز مطهري على تنقية الملحمة الحسينية من التحريفات، فإن المدرسي سعى إلى تحويل هذه المضامين إلى لغة تعبئة وتغيير، تجعل من كربلاء نموذجاً عملياً لمقاومة الظلم في الواقع المعاصر. وهي اللغة التي لامست وجدان شريحة من الشباب البحريني في السبعينيات والثمانينيات، وأسهمت في ربط بعض الشعائر الدينية بقضايا الوعي والتغيير السياسي والاجتماعي.
• قراءة نقدية: كربلاء بين التاريخ والمشروع الحركي
رغم القوة الإلهامية التي يمتلكها الكتاب، فإن القارئ المحايد لا يمكنه تجاهل بعض الملاحظات التي تجعله أقرب إلى "الأدب الحركي" منه إلى "البحث الأكاديمي" بالمعنى الصارم. فالمدرسي يميل أحياناً إلى قراءة واقعة كربلاء من خلال مفاهيم حديثة مثل "الأمة الرسالية" و"الوعي الجماهيري"، وهي مفاهيم نشأت في سياقات فكرية وسياسية معاصرة أكثر من ارتباطها بالمصطلحات المتداولة في القرن الأول الهجري، مما يجعل الحسين يبدو وكأنه يتحدث بلغة الثورات العالمية في القرن العشرين.
وقد منح هذا التوظيف المعاصر للحدث الحسيني الكتاب قدرة كبيرة على مخاطبة الشباب وتحفيزهم على مقاومة الاستبداد، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات مشروعة حول حدود إسقاط مفاهيم العصر على التاريخ، وما إذا كانت بعض القراءات الحركية قد أعادت تفسير الوقائع الدينية بما ينسجم مع أولويات الصراع السياسي في زمنها أكثر مما ينسجم مع سياقها التاريخي الأصلي.
• الشهادة كفعل استراتيجي
يبرز المدرسي في كتابه مفهوماً لافتاً وهو "الشهيد كقائد للتغيير". هو يرفض فكرة أن الحسين ذهب ليموت "فداءً لذنوب الأمة" (على غرار بعض القراءات المسيحية أو الصوفية)، بل يرى أن الشهادة كانت "الخيار الأخير" في خطة استراتيجية تهدف لصدمة الوعي العام.
هنا، يلتقي المدرسي مع ما أكده في كتاباته اللاحقة من أن الثورة الحسينية لم تكن تستهدف إسقاط نظام سياسي فحسب، بل إعادة بناء الإنسان القادر على رفض الظلم ومقاومته. وهذا الربط بين الوعي والتغيير هو ما منح الكتاب استمراريته، وجعله يتجاوز حدود السبعينيات ليبقى حاضراً في خطاب قوى إصلاحية ومعارضة في المنطقة، ومنها البحرين، حيث ظلت فكرة "الإنسان الواعي" إحدى الركائز الفكرية الأساسية في مشاريع التغيير السياسي والاجتماعي.
• الخاتمة
سواء اتفق القارئ مع أطروحات هادي المدرسي أو اختلف معها، يبقى كتاب "الشهيد والثورة" أحد النصوص التي تركت بصمتها في الفكر الإسلامي الحركي المعاصر. فقد مثّل محاولة مبكرة لإعادة قراءة كربلاء بوصفها مشروعاً أخلاقياً وسياسياً يتجاوز حدود السرد التاريخي والطقوس التقليدية، نحو أسئلة تتصل بالوعي والحرية والمسؤولية في مواجهة الاستبداد. وبعد أكثر من نصف قرن على صدوره، لا تكمن أهمية الكتاب في الأجوبة التي قدمها فحسب، بل في الأسئلة التي ما زال يثيرها حول العلاقة بين الدين والتغيير، وبين الشهادة وصناعة الوعي، وهي أسئلة لم تفقد راهنيتها بعد.
- 2026-06-21ليلة في موكب عزاء ممنوع
- 2026-06-19مشهدية السنابس تختصر عاشوراء البحرين: حبّ الحسين (ع) لا يُكبّل
- 2026-06-19تعاميم لا تتوقف للتحكم بعاشوراء البحرين.. هاجسٌ أمني اسمه الحسين!
- 2026-06-19الانفتاح المزعوم في البحرين: مهرجانات غنائية مفتوحة وشعائر حسينية محاصرة
- 2026-06-18أصواتٌ مأجورة مجدّدًا في البحرين: تغطيةٌ مكشوفة للحرب على الشيعة وشعائرهم