مواكب مثل خنادق مقاومة ..

ليلة في موكب عزاء ممنوع

2026-06-21 - 5:05 ص

مرآة البحرين: تدق الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، إنّه الوقت الذي حددته وزارة الداخلية لانتهاء المواكب والمراسم العزائية في المناطق، لكنه بالنسبة لهؤلاء الذين سيصطفّون الآن في موكبٍ مهيب، موعدٌ لانطلاق موكبهم الحسيني الممنوع، ليس لأنهم تعوّدوا على ذلك في سنوات ماضية، إنّما يختارون هذا الوقت بالتحديد ليكسروا قرارات الوزارة.

الأجواء تبدو اعتيادية، لكن ثمّة ما يجعلها مختلفة، فهؤلاء المعزّون يعلمون أنّ موكبهم لا توافق عليه الحكومة، وأن خروجهم هذا يمثل تحدّياً لقراراتها، لكنهم مع ذلك، يظهرون بوجوه مكشوفة، وملابس سوداء كما في كل سنة، رغم أنهم قد يتعرضون للاعتقال بعد ذلك.

في الأثناء، يخرج الرادود من زقاق جانبي ملثماً وينضم للمعزين، يُسلَّم فور وصوله مكبّر الصوت فيبدأ بإلقاء قصيدته، لكن على غير العادة، يبدو المعزّون مطواعين له، حيث يبدأون في تنظيم صفوفهم بسرعة أكبر مما يجري في المواكب الاعتيادية، ويردّدون معه المستهل بحماس منذ اللحظات الأولى. الجميع هنا متواطئ على كسر قرارات السلطة وحريص على القيام بدوره بإتقان كما لو كان في مهمّة عسكرية لا تحتمل الخطأ.

لا شيء كان يمكنه أن يغذّي هذه الروح الثورية المتفجرة مثلما فعلت قرارات الوزير الأحمق -وزير الداخلية راشد آل خليفة-، عندما أراد أن يحاصر المواكب ويلقي بأصفاده على كامل الموسم العاشورائي، لكنه الآن يواجه مواكب أوّل أهدافها، أن تدوس قراراته تحت أقدامها.

هكذا تبدو مشهدية العزاء الممنوع، هو عزاء خارج سياج القبضة الأمنية، متفلّت من سطوة العسس، مقاوم لرغبات رجالات العسكرتارية ومآرب الهيمنة. هو خندق بلا بارود ولا إطلاق نار، إنما طوابير منتظمة تضرب زناد لطماتها على الصدور، وتُردي مشاريع السلطة على الأرض.

ماذا فعل وزير الداخلية بغبائه إذن؟
كانت مواكب العزاء المسموحة تخرج تحت أعين الأجهزة الأمنية، لكنها الآن تخرج متحديةً المنع، بذات الحشود، وبحماسة أشدّ، كما لو كانت تستهزئ بوزير الداخلية وقراراته، ودون أن تملك أجهزته قرار قمعها بشكلٍ كامل.
وبدلاً من أن يُترك العزاء المسموح ليخرج تحت حصار الاستدعاءات والمكالمات الهاتفية ومضايقات مراكز الأمن، صار هناك مواكب جيّاشة لا يُعرف القائمون عليها، رادودها ملثم، وقصائدها متحرّرة من مقص الرقيب الذاتي والأمني معاً، والمشاركون فيها تستقطبهم دوافع الخروج على قرارات السلطة بالتحديد، وهي أولاً وأخيراً، متحرّرة من أيّ قيدٍ من تلك القيود التي تهوي بها الأجهزة الأمنية فوق رؤوس المسؤولين في مواكب العزاء الاعتيادية.

الجميع هنا يرفعون أيديهم إلى الأعلى، ثم يهوون بها على صدورهم كأمواج البحر الصاخب، ومع كل لطمة صدر، يتطاير في الأجواء رذاذ المشاعر الجيّاشة لكسر قرارات الدولة.

من صنع هذا المشهد بغبائه؟
قد لا يعرف وزير الداخلية ماذا فعل، وربما يتصفّح المقاطع المصوّرة لهذه المواكب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي تنشد قصائد سياسية برسائل واضحة ومباشرة، وترتفع خلالها الهتافات والشعارات السياسية التي أراد بالتحديد حظرها، فيُصاب بخيبته في مقتل، ويشعر باليأس والخزي مما فعل!

أكان عليه أن يستبدل مستشاريه الأغبياء الذين لا يحترفون سوى عسكرة الأجواء ووضع الأسلاك الشائكة وتلويث الأجواء بأمراضهم الطائفية؟

لسنوات، ظلّ العزاء يغذي الحماسة كما لم يستطع أيّ شيءٍ آخر أن يفعل ذلك، لكن ومنذ سنوات أيضاً، صار يتراجع في أعيننا نحن أجيال السبعينيات والثمانينيات لأسبابٍ كثيرة، فضلاً عمّن سبقونا في العمر، لكن وهجه هنا، في هذا العزاء الذي يخرج لتمريغ قرارات وزير الداخلية في الأرض، يستعيد مشاعر التسعينيات كلّها، عندما كانت المواكب تشتعل بروح الثورة، وتُكتب القصائد خفيةً بعيداً عن أعين المخابرات، وتزور خفافيش الظلام بيوت الرواديد عند الفجر!

أيعرف الوزير ماذا يحدث هنا؟
شباب من مختلف الأعمار، أجيال من مواليد ما بعد العام 2011، لم يعرفوا مذاق الحشود الجماهيرية ولم يعايشوا لهيب الثورة، غالبيتهم الساحقة لم يتغذوا على موائد التيارات السياسية ورموزها، لكنهم هنا يلبسون الأسود الكالح، ويرفعون قبضاتهم كما لو كانت الثورة قد بُعثت في صدورهم من جديد.

هي معجزة حسينية من جانب، لكنها في جانب آخر تستحضر عجز الحلول الأمنية، عندما تأتي نتائجها معكوسة، فترتدّ ألف مرة ومرة على أصحابها الحمقى.

لا يستطيع الوزير هنا أن يُحدِّد لهؤلاء هويتهم، أو يؤطرهم في شراك هويته الوطنية التي يريدها أن تكون على مقاس عائلته، الهوية هنا حسينية فقط، وأبرز ما يُميّزها بحثها عمّا يتماثل مع الثورة الحسينية، أن تتقمص الركب الحسيني الخارج على حكم يزيد، المتبرِّم علناً من العيش مع الظالمين.

ولأنّ يزيد يتمثّل لها هنا في صورة حاكمٍ يريد أن ينتزع منها أغلى ما تملك، يصبح الموكب وقصيدته وشعاره ولطمته كلّها ثورة حسينية تتأسى بالإمام الثائر (ع)، بخروجه على الحكم الأموي الظالم، برفضه للبيعة، على أنّ الموكب يأخذ خلوده من شمس الحسين، ولا يُنتصر عليه مهما بلغ الحصار مبلغه، ومهما كانت حجم المطاردات، مثل دماء الحسين التي انتصرت أبد الدهر على كلّ الأنظمة والطواغيت وحكّام الجور.