عاشوراء في البحرين: صراع الذاكرة في مواجهة تحولات الهوية

عبد الله البحراني - 2026-06-23 - 5:28 ص

مرآة البحرين: لا تمثل الشعائر الحسينية في البحرين مناسبة دينية فحسب، بل تشكل إحدى أهم مؤسسات الذاكرة الاجتماعية التي أسهمت في حفظ الهوية المحلية عبر قرون من التحولات السياسية والثقافية. فالمآتم، التي بدأت كملتقيات عائلية بسيطة، تطورت عبر الزمن لتتحول إلى فضاءات مجتمعية حيوية ومراكز إشعاع تربوي وثقافي، وهو ما يثير تساؤلات حول السرديات التي تصف التشيّع في البحرين بوصفه حضوراً طارئاً، في حين تشير دراسات تاريخية متعددة إلى عمق الحضور الشيعي في البحرين وتجذر الارتباط بمدرسة أهل البيت (ع) فيها منذ القرون الإسلامية الأولى.

■ المأتم والذاكرة الجمعية

لقد لعب المأتم دوراً مركزياً في التعليم الأهلي والتكافل الاجتماعي، وتجاوز وظيفته الدينية ليصبح ساحةً مجتمعية للنقاش والتعبير. وخلال القرن العشرين أثبت مرونةً عالية في استيعاب التحولات الوطنية؛ ففي محطات كبرى تحول إلى منصة للمطالبة بالحقوق والعدالة الاجتماعية، كما في حراك الخمسينيات، حيث تداخل الهمّ الوطني مع الروح العاشورائية.

هذا الدور المؤسسي لم يرق للسياسات التي سعت إلى فرض الرقابة، وهو ما تجلى بوضوح في حقبة إدارة تشارلز بلجريف (1926-1957)، التي وضعت الأسس الأولى لتقييد المواكب والمراقبة الأمنية للخطاب.

كما يمكن ملاحظة استمرار بعض المقاربات الأمنية تجاه الشعائر الدينية بأشكال مختلفة خلال العقود اللاحقة. وقد تجلى ذلك بصورة لافتة منذ عام 2011، في هدم أو إزالة عدد من المواقع الدينية ذات الدلالة التاريخية، وهو ما وثقته تقارير دولية، من بينها تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق، واصفةً تلك الإجراءات بأنها تجاوزت الحدود المعيارية للتعامل مع دور العبادة.

غير أن جوهر المسألة لا يتعلق بالشعائر الحسينية بوصفها ممارسة دينية فحسب، بل بما تمثله من وعاءٍ للذاكرة الجمعية. فالصراع الذي يحيط بعاشوراء في البحرين يتجاوز في كثير من الأحيان تنظيم الفضاء الديني إلى التنافس على السردية التاريخية ذاتها: من يروي الماضي؟ وكيف يُحفظ؟ وأيّ ذاكرة تُنقل إلى الأجيال القادمة؟

ومن هذا المنظور، تغدو المآتم والمواكب أكثر من مجرد مناسبات موسمية؛ إذ تمثل مؤسسات اجتماعية تعيد إنتاج الذاكرة والهوية بصورة مستمرة، وهو ما يفسر الحساسية التي أحاطت بها في محطات مختلفة من التاريخ البحريني الحديث.

■ المأتم والمجال الوطني

ولعل من أبرز الشواهد على هذا الدور ما مثّله مأتم بن خميس في السنابس خلال مرحلة الهيئة التنفيذية العليا (الهيئة الوطنية) في خمسينيات القرن الماضي، حين تحولت بعض المآتم إلى فضاءات جامعة للنقاش والتنسيق الوطني. ففي تلك المرحلة التقت شخصيات وفعاليات من مختلف المكونات الاجتماعية والدينية حول مطالب الإصلاح والعدالة، بما عكس قدرة المأتم على تجاوز وظيفته التقليدية ليصبح جزءاً من المجال العام الذي احتضن إحدى أبرز صور التلاقي الوطني بين الشيعة والسنة في التاريخ البحريني الحديث.

ولم يقتصر حضور المآتم على الأدوار الدينية أو حتى الوطنية المباشرة، بل شكّلت على امتداد تاريخها جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي البحريني، من خلال ما اضطلعت به من مبادرات خيرية وأنشطة تطوعية ومشاريع تكافلية أسهمت في خدمة المجتمع بمختلف مكوناته. وقد عزز هذا الدور من مكانة المأتم بوصفه مؤسسة أهلية جامعة، تتقاطع فيها الوظائف الدينية والاجتماعية والثقافية، بما يتجاوز حدود الانتماءات الضيقة نحو فضاء أوسع من التضامن المجتمعي.

■ تحولات المنبر الحسيني في العصر الرقمي

وفي هذا السياق، شهد المنبر الحسيني تحولات فكرية لافتة. فعلى مر العقود برزت مدارس خطابية؛ من المدرسة الشعبية التي رسخها الملا عطية الجمري وربطت المأتم بالهمّ اليومي للمواطن، وصولاً إلى المدارس الفكرية الحديثة التي وسّعت حضور القضايا الثقافية والاجتماعية والفكرية في الخطاب العاشورائي.

إن التحدي الذي يواجه المنبر اليوم ليس أمنياً فحسب، بل يتمثل في ضغوط "الرقابة الذاتية" التي قد تفرضها الأجواء العامة، مما يضع الخطباء أمام مسؤولية الحفاظ على الاستقلالية الفكرية للمنبر، وضمان استمرار دوره كفاعل اجتماعي.

من جانب آخر، أحدث العصر الرقمي تغييرات جوهرية في المشهد. فبينما كانت المآتم سابقاً محدودة النطاق الجغرافي، بات المحتوى العاشورائي اليوم متاحاً عبر المنصات الرقمية، مما ساهم في أرشفة الذاكرة وحفظ التراث أمام محاولات المحو.

واللافت أن دور المأتم لم يعد حكراً على الأنماط التقليدية، بل اتسعت المساحة لتشمل أدواراً فاعلة للشباب والنساء في تنظيم وإدارة المواكب والمشاريع التطوعية، مما عزز من طبيعة المأتم كمؤسسة مجتمعية متكاملة تتجاوز الوظيفة العبادية.

■ الذاكرة في مواجهة تحديات المستقبل

إن الرهان اليوم يتجاوز مجرد الحفاظ على الطقوس؛ فالمأتم البحريني يمثل الذاكرة المكانية والاجتماعية التي ترفض التفتيت. وبينما تبرز قيمته كفضاء للتضامن، يظل السؤال المطروح: هل تستطيع المؤسسات الأهلية التقليدية، وفي مقدمتها المأتم، أن تحافظ على دورها التاريخي في إنتاج التضامن الاجتماعي والذاكرة المشتركة في عصر تتغير فيه أشكال الانتماء والهوية بوتيرة متسارعة؟

وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل التحديات التي تواجه المآتم والشعائر الحسينية في الوقت الراهن، سواء تلك المرتبطة بالقيود والإجراءات التنظيمية والأمنية، أو التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة التي تعيد تشكيل أنماط الانتماء والمشاركة العامة. ومن هنا، فإن المحافظة على هذه المؤسسات لا تنبع من بعدها الديني فحسب، بل من كونها جزءاً من الذاكرة التاريخية والبنية الاجتماعية التي أسهمت في صوغ هوية المجتمع البحريني وتماسكه عبر أجيال متعاقبة.

إن الإجابة عن هذا التساؤل هي ما سيحدد مستقبل المأتم لا كأثرٍ للتاريخ، بل كفاعلٍ حيوي في صياغة ملامح المجتمع البحريني المعاصر.