قراءة في بيان علماء البحرين: الحق الديني الأصيل لا يحتمل الاختبار

2026-07-13 - 5:15 ص

مرآة البحرين: لأنّ الجور بلغ حدًا لا يستطيع أي مواطن شيعي عاقل يملك قدرًا من الوعي السكوت عنه، دعا علماء البحرين إلى عدم الاستجابة حاضرًا ومستقبلًا لأيّ قرار يستهدف وأْد الشعائر الدينية.

في بيان لافت يحمل الكثير من الرسائل، قال العلماء إن ما أقدمت عليه السلطات في البحرين، ممثلةً بإدارة الأوقاف الجعفرية ووزارة الداخلية، من قرارات تستهدف منع مواكب العزاء -التي توارثتها أجيال هذا الشعب المؤمن أبًّا عن جد وقبل نشوء كيان الحكم القائم بمئات السنين، لهو أمرٌ مدان ومرفوض جملةً وتفصيلًا.

البيان تضمّن أكثر من موقف حاسم تجاه الحرب التي تشنّها الدولة على المواطنين الشيعة، ولعلّ الأبرز:

  • التأكيد على أن المواكب الحسينية شعيرة أصيلة،
  • لا سلطان لأحدٍ على الشعائر ولا حق له في تقييدها أو التدخل في شأنها، وهي إرثٌ روحيٌّ وتاريخيٌّ لا يُقايض ولا يُساوَم عليه،
  • التشديد على أن استهداف شعائر أتباع اهل البيت (ع) ليس أمرًا إداريًا عابرًا كما يُصوَّر، بل هو في جوهره عداءٌ خاص ومواجهة سافرة لمقام الإمام الحسين بن علي وأهل بيته (عليهم السلام)، ومحاولة لطمس ذكرٍ ارتضاه الله ورسوله (ص) وجعله محرابًا للولاء وميزانًا للحق في وجه الباطل عبر التاريخ،
  • استغلال السلطة للظروف الإقليمية الراهنة بشكل سيّء للانتقام من مكوّن لا ذنب له إلا وفاؤه لأئمته وتمسّكه بعقيدته.


عندما نغوض في معاني هذه المواقف، يظهر أنها لا تقف عند حدود الاعتراض على قرار إداري، فهي تعكس رؤيةً تلتزم بالشعائر الحسينية كجزء من الهوية الدينية والثقافية للمجتمع الشيعي، وليست مجرد نشاط موسمي يخضع للتقدير الإداري.

من هذه الزاوية، يقدّم البيان القضية بوصفها مواجهة تتصل بحرية ممارسة المعتقد والشعائر الدينية، وهي حرية تحظى بحماية في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، الذي يشمل إظهار الدين أو المعتقد من خلال الشعائر والممارسة وإقامة المناسبات الدينية.

يمكن قراءة بيان العلماء باعتباره دعوةً إلى حماية الحق الديني الأصيل والإرث التاريخي المتوارث، لا بل إصرارًا واضحًا لا يحتمل الاختبار على عدم التعرّض لمسلّمات الإحياء الحسيني وإقامة الشعائر. كما يُفهم من البيان الطويل أن العلماء ليسوا في وارد المهادنة بعد الآن، ولا تغليب أيّ مصلحة ثانوية على قدسية الشعائر، وهذا يُشير إلى أنهم سيسلكون من الآن وصاعدًا طريقًا لمخاطبة السلطة لا يحتمل أيّ تأجيل أو تجميد للأزمة التي تسبّبت بها الدولة واجراءاتها التصعيدية والمسعورة بوجه المكوّن الشيعي.

بعد موقف العلماء، لم يعد الصمت على أداء الأوقاف الجعفرية ودورها ممكنًا. سقطت كل ذرائع الصمت تجاه هذه الممارسات وكلّ هذا التواطؤ الحاصل، وباتت الأوقاف الجعفرية ومن ينتمي إليها أمام مساءلة مجتمعية ودينية لا يمكن تجاوزها. عقب هذا البيان، لم يعد هناك مجال لأيّ مسلم شيعي في البلد أن ينأى بنفسه عن هذا الاضطهاد الوقح، وأن يستبعد نفسه عن النقد والمحاسبة.

في المحصّلة، لا يبدو أن بيان العلماء أراد الاكتفاء بتسجيل موقفٍ ديني أو إصدار إدانة وكفى، بل سعى إلى رسم حدودٍ فاصلة بين ما يعدّه شأنًا تنظيميًا قابلًا للنقاش، وبين ما يعتبره من صميم الثوابت الدينية التي لا يملك أحد حق المساس بها. ومن هنا، فإن الرسالة الأساسية للبيان تتمثل في أن الشعائر الحسينية، وفق هذه الرؤية، ليست ملفًا إداريًا يُدار بالقرارات والتعاميم، وإنما حق ديني وإرث تاريخي متجذر في وجدان المجتمع.

ولذلك، فإن المرحلة المقبلة مرشّحة لأن تشهد مزيدًا من الجدل حول حدود سلطة المؤسسات الرسمية في تنظيم الشعائر الدينية، وحول مدى انسجام الإجراءات المتخذة مع مبادئ حرية الدين والمعتقد. أما بيان العلماء، فقد وضع موقفًا واضحًا أمام الدولة وأمام المجتمع في آنٍ واحد: أن المساس بالشعائر لن يُنظر إليه باعتباره خلافًا إجرائيًا، بل قضيةً تمسّ الهوية الدينية والحقوق الأساسية، بما يحمله ذلك من تبعات دينية وحقوقية ومجتمعية تتجاوز حدود اللحظة الراهنة.