توقيف الشيخ جاسم الحداد.. تعبئة مذهبية غير مسبوقة ضدّ خطيب حسيني بارز

2026-08-27 - 7:14 ص

مرآة البحرين: لم يبقَ حساب أو منصّة إخبارية واحدة مدعومة وموالية للسلطة في البحرين إلّا وتناقلت خبر توقيف الخطيب الحسيني الشيخ جاسم الحداد.

وزارة الداخلية قالت في خبرها الرسمي إن "الإدارة العامة لمكافحة الفساد والأمن الاقتصادي والإلكتروني قامت بتوقيف شخص (31 عامًا)، إثر ظهوره في مقاطع مصورة تضمنت إساءات إلى رموز موضع تمجيد أو تقديس لدى أهل ملة، خلال مشاركته في عدد من الفعاليات الدينية، بما يشكّل مخالفة قانونية من شأنها إثارة الفتن والإضرار بالسلم الأهلي"، على حدّ تعبيرها.

لم تذكر اسم الشيخ إذًا، لكنها أوكلت المهمّة إلى ذبابها الالكتروني الذي أطلق حملة تحريضية عنيفة ضدّ الخطيب.

البحث عن الإساءة أو التهمة يكاد يكون مهمّة مستحيلة. بعض الحسابات البغيضة والمتطرّفة أوردت مقطعًا تعتبر فيه أن الشيخ "تعدّى على رموز المسلمين من الصحابة خلال سرده لخلاف قبل 1400 سنة"، وفق زعمها. والبعض الآخر اجتهد في محاولات الإساءة المباشرة إلى خدمة الخطباء الحسينيين.

هذه الواقعة أظهرت حجم الكراهية المُتغلغل في جماعة السلطة في البحرين، وكيف تُدار وتُدير كلّ هذه الضغينة ضدّ المسلمين الشيعة، الشيخ جاسم مثل حيّ فيها، فقط لأنها لا تتّفق في عقائدها وآرائها مع آراء الدولة. الحادثة تُثبت أن المسألة لا تتعلق، في جوهرها، بعبارة قيلت في مجلس ديني، ولا بحماية "السلم الأهلي" كما ورد في بيان وزارة الداخلية، بقدر ما تتعلق بإدارة الخلاف الديني بعقلية أمنية، ثم فتح الباب أمام حملات التحريض والتشهير بحق رجل دين لمجرد أنه سرد رواية أو أبدى موقفًا دينيًا يمكن استغلاله كثغرة لاستهداف المُحاضِر.

والأخطر من ذلك أن توقيف الشيخ جاسم الحداد لم يتوقف عند الإجراء الأمني. فما إن صدر بيان الداخلية حتى انطلقت موجة واسعة من الحسابات والمنصات المحسوبة على السلطة، في مشهد يوحي بأن التهمة الأمنية كانت مقدمة لحملة إعلامية موازية، تُقدّم الشيخ للرأي العام باعتباره شخصية تستحق الإدانة، وتضعه في مواجهة جمهور مذهبي واسع عبر لغة مشحونة بالبغضاء والتحريض.

وهنا تكمن دلالة الحادثة وخطورتها. حين تتولى وزارة الداخلية الإعلان عن توقيف شخص من دون تسميته، ثم تتكفّل الحسابات الموالية بكشف هويته، وتفسير ما نُسب إليه، وتعبئة الرأي العام ضده، فإننا لا نكون أمام مسار قانوني فحسب، بل أمام عملية متكاملة تبدأ بالتوقيف الأمني وتُستكمل بالتحريض الإلكتروني والتشهير الشعبي.

حادثة الشيخ جاسم الحداد أكبر من قضية توقيف فرد، فهي تكشف إلى أي مدى يمكن أن يتحول الاختلاف في العقيدة إلى أداة للضغط الأمني على رجال الدين الشيعة في البحرين. والسؤال الذي يفرض نفسه دائمًا في مسار التوقيفات والاعتقالات المستمرّ: هل أصبحت الدولة في البحرين هي التي تحدد للمواطن ما يجوز له أن يعتقده وما يجوز له أن يرويه في مجلس ديني؟

التحريض الذي تعرّض له الشيخ بعد توقيفه ليس تفصيلًا هامشيًا في القضية، بل جزء من دلالتها الأساسية. إذ يكشف أن العقوبة لا يُراد لها أن تكون توقيفًا أو حكمًا قضائيًا فحسب، وإنما يراد أن يسبقها ويواكبها عقاب اجتماعي وإعلامي: تشويه، وتشهير، وتحريض، وتأليب مذهبي.

في المقابل، فإن هذه التعبئة الواسعة ضد الشيخ الحداد قد تكون من أكثر ما يساهم في توسيع حضوره وانتشار اسمه. فالتجربة تقول إن محاولة إسكات الخطيب الحسيني عبر التوقيف والتحريض لا تُنهي حضوره، بل تدفع الناس إلى السؤال عنه، والاستماع إليه، والبحث عن مقاطعه وقراءاته. وكلما ارتفعت وتيرة الحملة عليه، ازداد الفضول الشعبي لمعرفة ما قاله فعلًا، بعيدًا عن الرواية التي تصوغها الحسابات الموالية.

ولذلك، قد تجد السلطة نفسها أمام نتيجة معاكسة تمامًا لما أرادته: شيخًا أكثر حضورًا، ومجالس أكثر طلبًا له، وجمهورًا أوسع يتابع قراءاته وخطبه. فالحسينيات لا تُدار بمنطق المنع الأمني، والمنبر الحسيني تزداد شعبيته حين يشعر الناس أن صاحبه مستهدف بسبب ما يقول. وما أرادت له الحملة أن يكون إسكاتًا للشيخ جاسم الحداد، قد يتحوّل، بفعل التعبئة ضده، إلى منصّة أوسع لصوته وحضور أكبر لاسمه بين المجالس والقراء والمُستمعين.