محاكمة مذهب .. وشاهدٌ مسجون

2026-08-31 - 10:39 م

مرآة البحرين: في يوم الأحد 30 أغسطس 2026م انعقدت جلسة محاكمة لبعض العلماء، وعددهم 11، وقد حضرتُ كشاهد نفي لصالح أحد العلماء المعتقلين.

كان برفقتي أحد المشايخ الكبار في السن -ولعل عمره يصل للسبعين- ولكنه خرج من منزله في حرّ الشمس، وبُعد المسافة، حتى يشهد ببراءة عالم وينفي عنه التهمة. عند وصولنا إلى مبنى المحكمة توجّه هذا الشيخ الكبير -عمرًا وأخلاقًا- إلى الدرج مباشرة رغم توفر مصعد كهربائي، وكأنه يتحدّى الزمن والكِبَر، يصعد بخطوات بطيئة ذلك الدرج الطويل حتى يؤدّي وظيفته الشرعية بالشهادة.

وصلنا إلى القاعة التي يجتمع فيها الشهود، حيث جمعت مشايخ وطلبة علم، وأعضاء بإدارات مآتم وخطباء ورجال مؤمنون آخرون، يصافحون بعضهم البعض وقلوبهم مطمئنة، ووجوهم مبتسمة، وكأنهم لم يأتوا لجلسة محاكمة المذهب الشيعي. يتحدثون قليلًا، ويصمتون كثيرًا، ويتلاطفون أحيانًا أخرى.

أسمع هذا يدعو ويقول: "اللهم سدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة"، وذاك يتمتم في دعائه فأسمعه يقول: "اللهم يا مخلّص الشجر من ...." ، وهو دعاء الإمام الكاظم عليه السلام في سجن هارون، وآخر يدعو بالفرج.

كان موعد بدء الجلسة 10 صباحًا، وقد وصلنا قبلها بقليل، لكن بقينا جالسين لأكثر من ساعتين، وقد تحمّل البعض المجيء من مناطق بعيدة عن وزارة العدل في المنامة، فهذا من الدراز، وذاك من كرزكان، وهذا شيخ كبير في السن قد أتعبه طول الجلوس على الكرسي في مكان تكييفه ضعيف، مع حرارة الجو، ولكنه كان صابرًا يسلّي نفسه بقوله: "اللي الله بسويه زين".

جلسنا وصبرنا وانتظرنا، حتى إن أحد المشايخ نزع عمامته، ووضع رأسه على عكّازه، متّكئا عليه ليستريح، إلى أن حلّ وقت أذان الظهر، فبقينا في حيرة، هل ننتظر فلعلّ الدور يصل لتقديم الشهادة، أم نصلّي لكي لا تفوتنا فضيلة الصلاة أول الوقت؟
مع طول الانتظار خلت القاعة من الشهود، وامتلأ المسجد بهم للصلاة.

وبعد الصلاة عدنا لقاعة الانتظار، ولكن الهدوء والسكوت كان أكثر من الكلام هذه المرة؛ فتعب الانتظار قد أخذ منّا مأخذه.

في الساعة 12:45م -بعد انتظار ما يقارب 3 ساعات- جاءت إحدى المحاميات تبشّرنا بدخول أول شاهد، حيث سيستغرق أداء شهادته مع الأسئلة والكتابة حدود 10 دقائق، وعدد المتهمين في هذه الجلسة 11 شخصًا، ولكل متهم شاهدان، فيكون مجموعنا أكثر من 20 شاهدًا، أي أننا بحاجة إلى أكثر من 3 ساعات أخرى لننتهي جميعًا.

رغم كل ذلك، نحن هنا بملء إرادتنا، أما بذل الوقت فهو أقل القليل، والمسألة عبارة عن محاكمة مذهب وطائفة بأكملها، وليست قضية جنائية مرتبطة بأفراد.

في حدود الساعة 1:30 ظهرًا جاء المعنيون ونقلوا جميع الشهود إلى قاعة خاصة قريبة من قاعة المحكمة المنعقدة؛ كإجراء يمنع من التقاء من انتهوا من الإدلاء بشهادتهم مع الشهود الآخرين، وكأنها عملية أداء امتحان في مدرسة، ومنعًا من تسريب الأسئلة!

كان ذلك اليوم السادس عشر من ربيع الأول، وهذه الليلة ليلة مولد النبي صلى الله عليه وآله، حيث يرتبط بعض المشايخ بمشاركات في احتفالات المناسبة.

مع طول مدة الانتظار تساءلنا عن مستوى تنظيم الوقت، فهل هناك خلل، أم أن الأمر عبارة عن إنهاك نفسي وجسدي للشهود؟ أم أنه تلكّؤ وتوتّر في محاكمة المذهب؟
وعلى كلّ حال، فالتأخير إما قصور أو تعمّد تقصير ولولا رغبة الشهود في نصرة المذهب والدفاع عن العلماء لما صبر أحدٌ وتحمّل، فقد أصبح الشهود مسجونين في غرفة لا يعلمون متى يخرجون منها.

في الساعة 2 ظهرًا أخبرنا أحد المحامين بأن مدة إدلاء كل شاهد بشهادته إلى جانب الإجابة على أسئلة القاضي والنيابة هي 30 دقيقة.

وفي الساعة 2:45 أبلغونا بأن القاضي رفع الجلسة للاستراحة. نعم، من حقّ القاضي والمدّعي ومن معهم أن يستريحوا ويأكلوا ويتنفّسوا، فقد تعبوا من كثرة سؤال الشهود عن ولاية الفقيه!!
ومن الطبيعي أن يتعبوا؛ لأنهم يحاكمون مذهبًا وطائفة بأكملها، لا فردًا ولا فردين.

سرقت المحكمة من وقت الشاهد وطاقته، من دون أن يتيقن ما إذا كانت شهادته ستُقبل أم ستُردّ، لكن الله لا يضيع عمل عامل، وكما قالت محاميةٌ مصبّرةً لنا: "في ميزان حسناتكم".

تَعَبُنا وانتظارُنا نحن الشهود لا يساوي شيئًا أمام سجن العلماء وإهانتهم، فقد ضحّوا بأنفسهم وأوقاتهم خدمة للدين والمذهب، وها هم يكملون جهادهم بالصبر خلف قضبان السجون، ومواجهة تُهَم كبيرة باطلة.