قراءة حقوقية وقانونية في حدود الحريات الدينية

حين تتحول إدارة الدين إلى سلطة: من يملك الوقف والمنبر؟

عبدالله البحراني - 2026-09-18 - 5:36 م

مرآة البحرين: في البحرين، يصعب أن تنظر إلى المسجد أو المأتم أو الحسينية باعتبارها مجرد مبنى يؤدي وظيفة دينية وتنتهي مهمته بانتهاء الصلاة أو المجلس أو الشعيرة. هذه الأمكنة، في الذاكرة البحرينية، أقدم من كثير من الهياكل الإدارية التي جاءت لتنظمها، وأكثر التصاقًا بحياة الناس من أن تختزل في ملف إداري أو بند في ميزانية؛ فمن حولها تشكلت علاقات اجتماعية، وعاش الناس أفراحهم وأتراحهم، وتعلموا، وتكافلوا، وحفظوا شيئًا من ذاكرتهم الدينية والاجتماعية. كما أن الوقف الذي ارتبط بها لم يكن في الوعي العام مجرد عقار أو مال ينتظر من يديره، بل كان إرادة إنسان أوقف ماله لغرض، وترك وراءه شرطًا وغاية وأمانة يفترض أن تظل حاضرة مهما تغيرت مؤسسات الدولة وأدوات الإدارة.

من هذه الزاوية تحديدًا ينبغي قراءة التحول الذي تشهده منظومة الأوقاف الإسلامية في البحرين منذ عام 2025، لأن ما يجري ليس مجرد إعادة ترتيب لمكاتب أو نقل اختصاصات بين إدارات، وإنما إعادة رسم للعلاقة بين الدولة والمجال الديني في منطقة شديدة الحساسية تتقاطع فيها السلطة مع المال، والقانون مع الفقه، والمؤسسة مع الذاكرة، والوقف مع إرادة الواقف، والمنبر مع الكلمة.

في 25 مايو 2026 صدر المرسوم رقم 31 لسنة 2026 بإنشاء وتنظيم مجلس شؤون الأوقاف الإسلامية، بالتزامن مع المرسوم رقم 32 لسنة 2026 بتنظيم شؤون الأوقاف الإسلامية، مع الإبقاء على إدارتين عامتين للشؤون السنية والجعفرية. ثم عقد المجلس اجتماعه الأول في 9 يونيو 2026. وبذلك انتقلت المنظومة الجديدة من مرحلة النصوص إلى مرحلة العمل، ولم يعد السؤال متعلقًا بما إذا كان هناك تغيير أم لا، بل بما سيعنيه هذا التغيير عندما يصبح قرارًا إداريًا يمس وقفًا أو مسجدًا أو مأتمًا أو مؤسسة دينية أو منبرًا. وهنا تبدأ المسألة التي لا يجوز القفز فوقها.

لا أحد، في دولة حديثة، يمكنه أن يجادل في ضرورة حماية المال الوقفي أو تنظيم استثماره أو التدقيق في حساباته أو منع التعدي عليه وتضارب المصالح، كما لا يمكن أن يكون تنظيم دور العبادة قائمًا على الفوضى أو أن يتحول المنبر إلى مساحة للعنف والتحريض والكراهية. لكن الاعتراف بهذه الضرورات لا يلغي السؤال الأهم: أين ينتهي التنظيم وتبدأ المصادرة؟ ومتى تكون الإدارة حوكمة، ومتى تتحول إلى وصاية؟

هذا السؤال ليس خصومة مع الدولة، ولا اعتراضًا على حقها في التنظيم، بل هو في جوهره سؤال عن دولة القانون نفسها؛ لأن الدولة حين تدخل مجالًا دينيًا واجتماعيًا متجذرًا في حياة الناس لا يكفي أن تقول إن لديها سلطة قانونية، وإنما يصبح مطلوبًا أن تُحدَّد هذه السلطة، وأن تجعل حدودها مفهومة، وأن تضع آليات لمراجعتها، لأن السلطة التي لا تعرف حدودها قد تبدأ تنظيمًا وتنتهي، من حيث لا ينبغي، احتكارًا.

 

الدستور.. والحد الذي لا ينبغي تجاوزه

يضع الدستور البحريني أساسًا لا يمكن تجاهله في هذا النقاش. فالمادة 18 تقرر المساواة في الكرامة الإنسانية وأمام القانون، وعدم التمييز بسبب الدين أو العقيدة، بينما تنص المادة 22 على أن «حرية الضمير مطلقة»، وتكفل الدولة حرمة دور العبادة وحرية القيام بشعائر الأديان والمواكب والاجتماعات الدينية طبقًا للعادات المرعية في البلد. وتتناول المادة 23 حرية الرأي والبحث العلمي والتعبير وفق الشروط والأوضاع التي يبينها القانون، بشرط عدم المساس بأسس العقيدة الإسلامية ووحدة الشعب وبما لا يثير الفرقة أو الطائفية، في حين تؤكد المادة 31 أن تنظيم الحقوق والحريات العامة أو تحديدها لا يكون إلا بقانون أو بناءً عليه، وألا ينال هذا التنظيم من جوهر الحق أو الحرية.

وهذه النصوص ليست زينة دستورية توضع في مقدمة المقالات ثم تُترك جانبًا؛ فهي تضع فارقًا جوهريًا بين الحق وبين طريقة تنظيم ممارسته. فالدولة تنظم التعليم لكنها لا تملك المعرفة، وتنظم المال العام لكنها لا تملك أموال الناس الخاصة، وتنظم المرور لكنها لا تملك الطريق. وبالمثل، فإن قدرتها على تنظيم المجال الديني والوقفي لا تجعلها مالكة للضمير، ولا تجعل المؤسسة الدينية مجرد مرفق إداري، ولا تمنحها سلطة مفتوحة على كل ما يتصل بالدين والممارسة.

ومن هنا تصبح الأسئلة العملية أهم من الشعارات: ما حدود اختصاص مجلس شؤون الأوقاف الإسلامية؟ وما الذي يدخل في القرار المركزي وما الذي يبقى للإدارتين السنية والجعفرية؟ ما المعايير التي تحكم تعيين الناظر أو عزله؟ كيف يفسر شرط الواقف؟ وما حدود تدخل الجهة الإدارية عندما تتحول المسألة من شأن إداري إلى مسألة فقهية؟ وما الطريق الذي يستطيع من يتضرر من قرار ما أن يسلكه للاعتراض أو المراجعة؟ هذه ليست أسئلة معارضة لمبدأ الدولة، بل هي أسئلة دولة القانون نفسها.

 

من 2025 إلى 2026.. لم يتغير الاسم فقط

لفهم حجم التحول، لا بد من النظر إلى التسلسل التشريعي نفسه. ففي 30 أبريل 2025 صدر المرسوم رقم 28 لسنة 2025 بتعديل بعض أحكام المرسوم رقم 6 لسنة 1985 بشأن تنظيم مجلسي الأوقاف السنية والجعفرية وإدارتيهما، ومن بين تعديلاته أن أصبح لكل إدارة عامة مدير عام من غير أعضاء المجلس، يعين بمرسوم (وقد صدر المرسوم رقم 42 لسنة 2025 في 23 يوليو 2025 بتعيين المديرين العامين للإدارتين)، ويتولى كل منهما الإشراف على الأعمال الإدارية والمالية وتنفيذ القرارات. ثم صدر المرسوم رقم 29 لسنة 2025 لتنظيم الأوقاف السنية والأوقاف الجعفرية.

لكن هذا الإطار لم يستمر طويلًا؛ ففي 25 مايو 2026 جاء المرسومان 31 و32، فألغى المرسوم رقم 32 المرسوم رقم 29 لسنة 2025، بينما ألغى المرسوم رقم 31 المرسوم رقم 6 لسنة 1985 وما يتعارض معه من نصوص.

والفارق هنا ليس في رقم مرسوم جديد أو اسم مؤسسة جديدة، وإنما في طبيعة السلطة التي أنشئت معها. فالمرسوم رقم 31 أنشأ مجلسًا يتبع الوزير المعني بالشؤون الإسلامية والأوقاف، ومنحه صلاحيات واسعة في رعاية الأوقاف وإدارتها واستغلالها وصرف إيراداتها وحفظ أعيانها وتعميرها، مع ربط ذلك بصياغة الوقف وعبارات الواقفين وأحكام الشريعة الإسلامية. ثم جاءت العبارة الأوسع حين نص على أن للمجلس «السلطة التامة بالنظارة والتولي على كافة الأوقاف، بما في ذلك دور العبادة وما في حكمها»، كما نظم قواعد وإجراءات تعيين وعزل النظار ومتولي الوقف.

لهذا لا يكفي وصف المجلس بأنه مجرد مظلة تنسيقية؛ نحن أمام ولاية قانونية واسعة تشمل الإدارة والنظارة والتولي والتعيين والعزل، فضلًا عن رسم السياسات العامة للقطاع الوقفي. لكن هذه الولاية، في المقابل، ليست نصًا منفصلًا عن بقية المنظومة، فالمرسوم نفسه يربطها بصياغة الوقف وعبارات الواقفين وأحكام الشريعة. وهنا يجب أن يكون النقاش أكثر نضجًا من مجرد القبول أو الرفض: كيف ستُمارس هذه الولاية الواسعة؟ وما الضمانات التي تمنع أن تتحول الولاية القانونية إلى وصاية عملية؟

 

وحدة الإدارة لا تلغي الخصوصية 

قد يبدو توحيد الإشراف خطوة طبيعية في أي إصلاح إداري حديث؛ جهة مركزية تضع السياسة، وقواعد مشتركة للاستثمار والتدقيق والحوكمة، وآليات أكثر اتساقًا لحماية الأصول. ولا مشكلة في هذه الفكرة من حيث المبدأ، بل قد تكون لها فوائد حقيقية إذا أدت إلى إدارة أكثر شفافية وعدالة.

لكن المساواة ليست دائمًا تماثلًا، والوحدة الإدارية ليست بالضرورة محوًا للخصوصية. فالمجلس احتفظ بإدارتين عامتين (السنية والجعفرية)، وهو ما يعكس أن البنية الجديدة لم تلغِ الخصوصية الإدارية على الورق، وإنما وضعتها داخل إطار مركزي جديد. وهنا لا بد أن يكون السؤال صريحًا: ما الذي يبقى للإدارتين؟ وما الذي ينتقل إلى المجلس؟ هل ستملك كل إدارة مساحة فعلية لإدارة خصوصيتها الفقهية والوقفية؟ كيف ستتعامل المنظومة مع اختلاف شروط الواقفين؟ ومن يحسم المسألة عندما تتداخل الإدارة مع الفقه؟

الخصوصية المذهبية ليست رخصة للخروج على القانون، كما أن المركزية الإدارية ليست مبررًا لمحو الخصوصية. والمطلوب ليس دولتين في إدارة الوقف، ولا إدارة واحدة تذيب الجميع، وإنما إطار قانوني مشترك يضمن المساواة ويترك لكل خصوصية ما تحتاجه من مساحة حقيقية.

 

الوقف.. حين يصبح المال أمانة لا مجرد أصل

هناك شيء في الوقف لا تستطيع اللغة الإدارية وحدها أن تشرحه. فالواقف حين أوقف عقاره أو ماله لم يكن ينظر إليه باعتباره أصلًا استثماريًا فحسب، وإنما ربطه بغرض، وحدد له وجهة، وربما ترك شروطًا تتعلق بكيفية الانتفاع به وصرف ريعه. ولذلك فإن الوقف يختلف عن الملكية الخاصة العادية وعن المال العام التقليدي، وتصبح شروط الواقف عنصرًا أساسيًا في فهم وجهته وإدارته.

والمرسوم رقم 31 نفسه يأخذ هذا الأمر في الاعتبار، إذ يربط إدارة الأوقاف واستثمارها وإعمارها وتطويرها بصياغة الوقف وعبارات الواقفين، كما يلزم المجلس عند وضع السياسة العامة للقطاع الوقفي بمراعاة شروط الواقفين وأحكام الشريعة الإسلامية. لكن احترام شرط الواقف لا ينبغي أن يتحول إلى قاعدة مبسطة تصلح لكل حالة؛ فالوقف يختلف باختلاف صياغته وموضوعه ومذهبه والظروف المحيطة به، ومسائل التعذر أو تغير الظروف أو المصلحة لا تختزل في جملة واحدة. والأدق هو أن نقول إن شرط الواقف عنصر أساسي في تحديد وجهة الوقف وإدارته، وأن التعامل معه يجب أن يجري وفق الضوابط الشرعية والقانونية ذات الصلة. هنا تحديدًا تتضح وظيفة الدولة التي لا يختلف عليها اثنان: حماية أصل الوقف، منع التعدي عليه، حماية ريعه، ضبط الحسابات، مكافحة الفساد، وتنمية المال بما يحقق الغرض الذي أنشئ من أجله. لكن الدولة، وهي تفعل ذلك، مطالبة بأن تميز بين الإشراف الذي يحمي الأمانة وبين الولاية التي تستحوذ عليها.

الإشراف الحامي يضع القواعد ويمنع الفوضى. أما الولاية المستحوذة فتجعل الجهة الإدارية صاحبة القرار في كل تفصيل، حتى تلك التفاصيل التي يفترض أن تظل فيها مساحة لأهل الوقف وأصحاب الاختصاص والخصوصية المذهبية. والفارق بين الاثنين لا تثبته النوايا، بل القواعد والإجراءات والشفافية وإمكانية المراجعة.

 

كلما اتسعت يد المجلس.. ارتفعت مسؤولية الحوكمة

صلاحيات المجلس لا تقف عند النظارة والتولي؛ فهو يشرف على القطاع الوقفي ويرسم سياساته، ويعتمد معايير استدامة الأصول واستثمارها، ويصادق على خطط الإعمار والتطوير، ويضع الإطار التنظيمي للقطاع، بما يشمل إجراءات الوقف وإدارته، وضوابط الاستثمار والإيجار والتصرف، وشروط العاملين وضوابط تعيينهم وعزلهم، والرقابة والتفتيش المالي والإداري وتنظيم الحسابات المصرفية.

كما يشرف على قاعدة بيانات موحدة للأوقاف، وأنظمة الحوكمة والامتثال والتكامل المؤسسي، ويعتمد أنظمة التدقيق المالي والشرعي ويراجع التقارير الدورية، فيما تكون قراراته واجبة التنفيذ في مواجهة النظار ومتولي الوقف والعاملين في المجال الوقفي. كل هذا يجعل قاعدة واحدة كافية لتلخيص جوهر المسألة: «كلما اتسعت السلطة، ازدادت الحاجة إلى الضمانات.»

لا مشكلة في سلطة واسعة إذا كانت قواعدها واضحة، ومعاييرها معلنة، وقراراتها قابلة للفهم والمراجعة، ومسؤولياتها موزعة، وتضارب المصالح فيها مضبوطًا، وأصحاب الشأن قادرين على معرفة لماذا صدر القرار وكيف يمكنهم الاعتراض عليه. ولهذا لن يكون الاختبار الحقيقي في المرسوم وحده، بل في اللوائح التي ستأتي بعده، وحينها ستظهر الإجابة عن الأسئلة الصعبة: من يقرر؟ وعلى أي معيار؟ وكيف يمكن الاعتراض عليه؟

 

المنبر.. حيث تصبح الإدارة قريبة من الضمير

وإذا كان الوقف يتعلق بالمال، فإن المنبر يتعلق بالكلمة. والكلمة الدينية في البحرين ليست كلمة عابرة؛ إنها تدخل إلى منطقة الضمير والهوية والذاكرة الجمعية، ولذلك فإن أي حديث عن تنظيمها يحتاج إلى قدر أكبر من الحذر والدقة.

لا خلاف على أن المنبر لا ينبغي أن يكون منصة للعنف أو التهديد أو الكراهية أو التحريض على الاعتداء، لكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل التنظيم من فحص الفعل ونتيجته إلى فحص الاعتقاد والتفسير. فالتحريض على العنف شيء، والنقد السياسي شيء آخر، والدعوة إلى الكراهية شيء، والاختلاف في تفسير مسألة دينية أو اجتماعية شيء آخر. لهذا فإن أي تنظيم للوعظ والخطاب الديني، حيث تكون القيود ضرورية، ينبغي أن يقوم على معايير موضوعية ومعلنة، لا على سلطة تقديرية مفتوحة في مضمون الخطاب. السؤال إذن ليس: هل نحتاج إلى تنظيم المنبر؟ وإنما: ما الذي تنظّم الدولة بالضبط؟ هل تمنع التحريض والعنف أم تتحول القواعد إلى رقابة على الاختلاف الفكري؟ 

الأولى تمنع الضرر، أما الثانية فقد تجد نفسها، من حيث لا تقصد، أمام محاولة لتنظيم ما هو أعمق من السلوك: تنظيم مساحة الاختلاف نفسها.

 

الحرية الدينية.. والسياق البحريني والدولي

قد يختصر البعض الحرية الدينية في سؤال بسيط: هل يستطيع الإنسان أن يصلي ويقيم شعيرته؟ لكن الحرية الدينية، في النقاش الحقوقي، أوسع من إقامة الشعيرة وحدها، إذ تتصل أيضًا بالممارسة والتعليم والتعبير والعمل الجماعي للمؤسسات الدينية، في الحدود التي يقررها القانون.

وفي هذا السياق يأتي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بوصفه مرجعًا حقوقيًا دوليًا ذا صلة، لا بديلًا عن الدستور والقانون البحريني. انضمت البحرين إلى العهد في 20 سبتمبر 2006، ودخل حيز النفاذ بالنسبة إليها في 20 ديسمبر من العام نفسه. وقد أبدت البحرين تحفظات على عدد من أحكام العهد، من بينها المواد 3 و18 و23، بحيث لا يؤثر تفسير هذه المواد على أحكام الشريعة الإسلامية، وهو ما أثار ملاحظات واعتراضات من هيئات دولية مختصة. ولهذا سيكون من غير الدقيق تقديم المادة 18 من العهد باعتبارها سقفًا قانونيًا دوليًا نافذًا في البحرين بلا قيد، لكنها تظل، إلى جانب التعليق العام رقم 22 للجنة حقوق الإنسان، مرجعًا مهمًا لفهم النقاش الدولي حول حرية الفكر والوجدان والدين.

وهذا السياق الدولي لا يلغي السياق البحريني، لكنه يمنح النقاش أدوات إضافية للسؤال: هل القيد يحمي حقًا مشروعًا من ضرر حقيقي، أم يتجاوز ذلك إلى التحكم في مساحة الاعتقاد والممارسة؟

والسؤال نفسه ينطبق على مسألة التحريض. فلا يمكن أن تكون حرية التعبير غطاء للعنف أو الكراهية، كما لا ينبغي في المقابل أن يصبح وصف خطاب بأنه «مثير للفتنة» كافيًا وحده لتقييده. وهنا تأتي خطة عمل الرباط، باعتبارها إطارًا أمميًا إرشاديًا، لتطرح اختبارًا دقيقًا يقوم على السياق، ومكانة المتحدث، والقصد، ومحتوى الخطاب، واحتمال وقوع العنف، والعلاقة السببية بين الخطاب والضرر المحتمل. وبهذا يصبح معيار المساءلة أقرب إلى الفعل والضرر والقصد والسياق، لا إلى الانتماء المذهبي ولا إلى مجرد الاختلاف في الرأي.

 

نحو عقد تنظيمي جديد

ربما تكون اللحظة الحالية فرصة لصياغة فهم أكثر نضجًا للعلاقة بين الدولة والمجال الديني، لا بالعودة إلى النموذج السابق ولا برفض المجلس الجديد، وإنما بجعل الإصلاح نفسه أكثر وضوحًا في أهدافه وحدوده عبر ثمانية مبادئ عملية:

  1. الدولة ضامنة للحرية وليست مالكة لها: تنظم الحق وتحميه وفق القانون، لا أن تصبح صاحبة الحق في الضمير.
  2. الوقف أمانة ذات غرض محدد: شروط الواقف عنصر أساسي في تحديد وجهته وإدارته، وفق الضوابط الشرعية والقانونية.
  3.  التوحيد الإداري لا يمحو الخصوصية: الإطار المركزي يحمي المساواة بشرط ترك مساحة فعلية للإدارات لتدبير خصوصيتها.
  4.  المنبر يحتاج إلى معايير لا إلى مزاج إداري: فمضمون الخطاب الديني ليس مجالًا تملك الحكومة صلاحية تنظيمه أو تحديد حدوده أصلًا، وإنما ينبغي أن تقتصر القواعد على الجوانب القانونية والإدارية المرتبطة بممارسة الشعائر، وأن تكون موضوعية ومعلنة، لا خاضعة لسلطة تقديرية مطلقة.
  5.  القيود تحتاج إلى مبرر واضح: أي قيد على الشعائر أو الخطاب يجب أن يكون محددًا قانونًا، ومبررًا لهدف مشروع، وقابلًا للمراجعة.
  6.  التحريض ليس اختلافًا: مكافحة الكراهية ترتبط بفعل ضار ومثبت، لا بالانتماء المذهبي أو الرأي المخالف.
  7. الشفافية جزء من أمانة الوقف: الاستثمار والتدقيق وإدارة الأصول أدوات أساسية لحماية المال العام والخاص.
  8.  المشاركة يجب أن تكون حقيقية: تمثيل الفقهاء والقانونيين وأهل الخبرة بصورة مؤثرة عند صياغة السياسات.

 

الخاتمة: ما بين الدولة والدين.. هناك مجتمع

لقد انتقلت منظومة الأوقاف البحرينية من نموذج يقوم على مجلسين إلى إطار يجمع مجلسًا مركزيًا واسع الصلاحيات مع استمرار إدارتين عامتين، وبدأ المجلس عمله الفعلي. غير أن الحكم على التجربة يبقى رهيناً باللوائح والممارسة والتطبيق على الأرض. فالوقف ليس مجرد مال تديره مؤسسة، والمنبر ليس مجرد منصة للكلام، والدين ليس ملفًا إداريًا. ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بمدى اتساع يد الإدارة، وإنما بقدرتها على استخدام هذه اليد دون أن تخنق ما جاءت لتنظمه.

وفي النهاية، ليست القضية من يملك المنبر والوقف بقدر ما هي: ما حدود تدخل الدولة في المجال الديني؟ فالدولة تستطيع أن تحمي القانون والنظام العام، من دون أن تصادر استقلال المنبر، أو تحتكر إدارة الشأن الديني، أو تتحول إلى وصي على الضمير. عندها فقط يصبح القانون جسرًا بين الدولة والمجتمع، لا جدارًا بينهما.