حين احتاجت عائلة آل خليفة إلى ولاية الفقيه... وثيقة تاريخية عن محاولة رشوة السيد محسن الحكيم عام 1968
عباس المرشد - 2026-09-28 - 6:47 ص
مرآة البحرين: في تصريحاته الأخيرة، قدّم وزير الداخلية «ولاية الفقيه» بوصفها مشروعًا عابرًا للحدود يهدد الدولة وولاء مواطنيها. لكن للذاكرة السياسية البحرينية وثائقها أيضًا: فالسلطة التي تقدم «ولاية الفقيه» اليوم باعتبارها خطرًا على الدولة، احتاجت سنة 1968 إلى ولاية الفقيه نفسها حين كان استقلال البحرين ومستقبلها السياسي موضع نزاع. يومها لم يكن وجود فقيه خارج البحرين يمارس سلطة دينية واجتماعية على قطاع واسع من شيعتها مشكلة في الولاء الوطني؛ بل كان مصدر قوة سعى حاكم البحرين الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة إلى الاستفادة منه.
جاءت زيارة الشيخ عيسى للسيد محسن الحكيم في النجف في لحظة كان الحكم يبحث فيها عن تثبيت استقلال البحرين في مواجهة المطالبة الإيرانية. ومع انتقال القضية تدريجيًا نحو الاحتكام إلى إرادة السكان، أصبح موقف الشيعة عنصرًا حاسمًا، وأصبح موقف المرجع الذي يقلده قطاع منهم ذا قيمة سياسية مباشرة. لم يذهب الحاكم إلى النجف ليسأل السيد الحكيم في شأن ديني، وإنما احتاج إلى سلطته على مقلديه في قضية سياسية تتعلق بهوية البحرين ومستقبلها. وتؤكد رواية صادق البحارنة، الذي شارك في ترتيب اللقاء، أنه حمل إلى السيد الحكيم رسالة قبل الزيارة تفيد بأن الشيخ عيسى قد يطلب مساعدته في «تثبيت عروبة البحرين»، وأن موقف السيد الحكيم جاء مؤيدًا لاستقلال البحرين.
وبالرجوع إلى الأرشيف الإيراني، تكشف وثيقة تاريخية مهمة، هي عبارة عن تقرير للسافاك حول تلك الزيارة، جانبًا أكثر حساسية من اللقاء. فقد سجلت أن الشيخ عيسى أمر أحد مرافقيه بتقديم مبلغ من المال إلى السيد الحكيم، ووضعت أمامه رزم من أوراق العشرة دنانير، قدّر السيد يوسف الحكيم مجموعها بنحو خمسة وعشرين ألف دينار عراقي. رفض السيد الحكيم المال، وقال إنهم لا يحتاجون إليه، وإن الشيخ عيسى ضيفهم، فإذا احتاج الحاكم إلى المال فإنهم مستعدون لتقديمه إليه.

لم يكن رد السيد الحكيم مجرد رفض للمال، بل قلبًا كاملًا للعرض وللعلاقة التي يفترضها. فبدل أن يظهر الحاكم في موقع صاحب المال الذي يمنح المرجعية، وضعه السيد الحكيم في موقع الضيف الذي يمكن للمرجعية نفسها أن تعينه بالمال إن احتاج إليه. كان الجواب إعلانًا لاستقلال المرجعية عن مال السلطة، وإبطالًا مسبقًا لأي معنى سياسي يمكن أن ينتجه قبول العطية. الحاكم جاء محتاجًا إلى موقف المرجع، ولم يكن المرجع محتاجًا إلى مال الحاكم.
وفي تقرير آخر ضمن المادة نفسها، ورد أن شخصًا من طرف أمير البحرين عرض على السيد الحكيم مبلغًا قيل إنه خمسة ملايين ريال. رفضه السيد الحكيم، ثم رفضه مرة ثانية عندما قيل إن المال يمكن أن ينفق على بناء مستشفى. وتنقل الوثيقة أن الغرض من المبلغ، وفق معلومة أمر السافاك بالتحقق منها، كان كسب ود السيد الحكيم والتأثير في موقفه من البحرين ضد المطالبة الإيرانية.

فالحاكم عيسى بن سلمان كان يريد موقف الفقيه لأنه كان يريد أثر هذا الموقف في مقلديه. أي أن السلطة السياسية البحرينية نفسها تعاملت مع المرجعية باعتبارها سلطة تتجاوز الإفتاء الفردي إلى القدرة على توجيه الجماعة في واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية: استقلال الدولة وسيادتها.
لكن السيد الحكيم، بحسب الروايات المرتبطة باللقاء، لم يفصل موقفه من استقلال البحرين عن وضع الشيعة داخل البحرين نفسها. فقد وجّه الحاكم إلى ضرورة رعايتهم، وكان في مجلس الزيارة شاهد حي على طبيعة المشكلة التي يتحدث عنها: السيد علي كمال الدين الغريفي، أحد قادة هيئة الاتحاد الوطني، الذي كان يعيش في النجف بعد إبعاده عن البحرين إثر القضاء على الهيئة سنة 1956. وتؤكد رواية صادق البحارنة أن الشيخ عيسى طلب منه ومن السيد محمود العلوي إحضار السيد علي كمال الدين إلى اللقاء، وأن الأخير عاد إلى البحرين بعد الزيارة. وكان السيد علي كمال الدين من أبرز رجال الهيئة، ثم قضى سنوات منفاه في النجف قبل عودته إلى البحرين.
وتنقل إحدى الروايات عن مجلس اللقاء أن السيد الحكيم أشار إلى السيد علي كمال الدين وسأل الشيخ عيسى إن كان يعرف هذا السيد الجليل. وحين لم يظهر الحاكم معرفة به، ذكّره السيد الحكيم بأن هذا هو الرجل الذي نفاه أبوه عن بلده وسُحبت جنسيته، ثم واجهه بالسؤال الذي يضع طلب دعم المرجعية أمام امتحانه الحقيقي: كيف أدعو الشيعة إلى دعمك وأنتم تنفون رجالهم من بلدهم؟
تمنح هذه الواقعة اللقاء معنى يتجاوز طلب تأييد سياسي للاستقلال. فالسيد الحكيم لم يتعامل مع ولايته على شيعة البحرين بوصفها قدرة يستطيع الحاكم استعارتها ساعة الحاجة، وإنما أعاد الطلب إلى أصله: إذا كان الحاكم يريد من المرجع أن يدعو الشيعة إلى الوقوف معه في قضية البحرين، فعليه أن يجيب أولًا عن علاقته بهؤلاء الشيعة داخل البحرين. وبذلك اقترن دعم استقلال البلاد بمطالبة السلطة برعاية الجماعة التي تريد من مرجعها أن يمنحها التأييد.
وهذا تحديدًا ما يجعل وثيقة 1968 محرجة عند قراءتها من الحاضر. فالمعيار الذي يستخدم اليوم لإدانة ولاية الفقيه ــ وجود سلطة للفقيه تتجاوز الحدود الوطنية وتؤثر في السلوك السياسي لمقلديه ــ لم يمنع الحكم من طلب هذه السلطة حين احتاج إليها. المشكلة، تاريخيًا، لم تكن في أن تكون للفقيه ولاية تتجاوز الحدود؛ بل في اتجاه الموقف الذي تنتجه هذه الولاية وعلاقته بمصلحة السلطة.
عام 1968 كان المطلوب من السيد الحكيم أن يستخدم مكانته وولايته لمصلحة استقلال البحرين في مواجهة إيران، فذهب إليه حاكم البحرين بنفسه. واليوم يعاد تصوير العلاقة السياسية بين الشيعة وولاية الفقيه باعتبارها دليلًا على اختلال الولاء الوطني.
أما السيد الحكيم، فتقدم الوثيقة موقفه بصورة مختلفة: دعم البحرين، لكنه رفض مال حاكمها. وحين وضع المال أمامه، قلب العلاقة بين الطرفين قائلًا إن الحاكم هو ضيفه، وإن كان محتاجًا إلى المال فهم من يستطيع تقديمه إليه. ثم أعاد طلب الحاكم لدعم الشيعة إلى سؤال أكثر إحراجًا: ماذا فعلتم بالشيعة الذين تريدون مني اليوم أن أدعوهم إلى دعمكم؟
احتاجت عائلة آل خليفة إلى ولاية الفقيه حين احتاجت إلى موقف شيعة البحرين. لكن السيد الحكيم رفض أن يجعل ولايته أداة في يد الحاكم: رفض رشوته، واختار دعم استقلال البحرين بلا مقابل، وطالبه في المقابل برعاية الشيعة الذين جاء يطلب دعمهم.