بين الولاء المصطنع وشرعية الترهيب

زينب علي - 2026-10-03 - 8:44 م

مرآة البحرين: في سبتمبر 2024 ومع تصاعد التوتر في المنطقة بعد اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، شهدت البحرين تحركاً أمنياً وسياسياً واسعاً، على خلفية مسيرات وبيانات عبّرت عن رفضها للعدوان الأمريكي والإسرائيلي على لبنان.

وفي 29 سبتمبر خرج وزير الداخلية البحريني الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة ببيان دعا فيه المواطنين إلى ما سمّاه (الروح الوطنية والمسؤولية)، والحفاظ على الأمن والنظام العام، في ظل المسيرات المنددة باغتيال نصر الله.

وجاء ذلك في سياق طويل من التوتر السياسي والطائفي في البحرين، حيث ظلّت قضايا الحريات السياسية والتمييز ضد المواطنين الشيعة موضع انتقادات حقوقية محلية وإقليمية متواصلة.

جاء عام 2026 ليحمل تصعيداً جديداً، مع اندلاع الحرب الإقليمية في 28 فبراير، والتي شهدت ضربات أمريكية وإسرائيلية ضد إيران، لتردّ طهران باستهداف مواقع وقواعد أمريكية في عدد من دول الخليج، من بينها البحرين، التي تستضيف مقر الأسطول الخامس الأمريكي. ومع امتداد تداعيات الصراع الإقليمي وانعكاساته على المشهد الأمني والسياسي في البحرين، تصاعدت الإجراءات الأمنية بحق الطائفة الشيعية.

وفي هذا السياق، وبعد الاعتقالات التي طالت عشرات المواطنين على مدى عامين، أعلنت وزارة الداخلية البحرينية في 27 أبريل إسقاط الجنسية عن 69 شخصاً، بينهم أفراد من عائلاتهم بالتبعية. اتهمتهم السلطات بإبداء التعاطف مع إيران وتمجيد أعمالها، إلى جانب آخرين اتُّهموا بالتواصل مع جهات خارجية. في المقابل، رفضت الطائفة الشيعية في البحرين هذه الاتهامات، واعتبرتها باطلة وافتراءات بحق أبناء الطائفة.

وفي 7 مايو، انتقل الخلاف إلى داخل المؤسسة التشريعية نفسها، عندما صوّت مجلس النواب بالإجماع على إسقاط عضوية ثلاثة من أعضائه، هم عبدالنبي سلمان وممدوح الصالح ومهدي الشويخ، على خلفية مواقفهم من إجراءات سحب الجنسية.

وكان موقف النواب الثلاثة، بحسب ما أوردته الوسائل الاعلامية، مرتبطاً بالاعتراض على إجراءات تمس الجنسية، وبالسؤال الذي يتجاوز الخلاف السياسي المباشر:
ما ذنب أبناء المواطن إذا عبّر والدهم عن تعاطفه مع الجمهورية الإسلامية؟

وفي فجر السبت 9 مايو 2026، بدأ مخطط الملك ووزير داخليته، بحسب ما نراه يتسع في تنفيذ مخطط لاجتثاث الطائفة الشيعية، من خلال مداهمة أكثر من 40 منزلاً واعتقال علماء دين، بينهم كبار العلماء، تحت تهم كيدية، في محاولة لخلق حالة من الرعب في صفوف أبناء الطائفة، وترهيبهم ودفعهم إلى إعلان الولاء للملك ونظامه.

ومن هنا يبرز السؤال: هل الولاء الذي يُنتزع تحت التهديد ولاء حقيقي، أم مجرد توقيع تفرضه السلطة على مواطنيها؟
فالولاء لا يُبنى بالخوف، ولا تُصنع الشرعية بالتوقيعات التي تُنتزع تحت ضغط السلطة وأجهزتها الأمنية.

فالشرعية السياسية، في جوهرها، لا تُمنح بالترهيب، وإنما تستمد معناها من الإرادة الحرة للمواطنين، ومن قدرتهم على التعبير والاختيار والمشاركة السياسية دون خوف من العقاب.

9 مارس سقوط الشرعية السياسية:

وهذه ليست قضية جديدة في البحرين.
ففي 9 مارس 2012، خرجت مسيرة (لبيك يا بحرين)، بعد خطاب للملك وصف فيه الطائفة الشيعية بأنها "الشرذمة القليلة" في سياق التقليل من حجم الحراك الشعبي.

لكن الرد جاء من الشارع بعد دعوة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم للمشاركة، وبحسب تقديرات القوى المعارضة آنذاك، شارك في مسيرة (لبيك يا بحرين) نحو 300 ألف مواطن من مختلف الأطياف والمناطق، في واحدة من أكبر المسيرات الجماهيرية التي شهدتها البحرين على مرّ التاريخ.

حينها لم تكن رسالة المشاركين والقوى المعارضة لبيك للنظام، وإنما لبيك يا بحرين..
أي أن النداء كان للوطن، لا لشخص أو نظام سياسي.
ثم تجددت الاحتجاجات في سبتمبر 2013، وصولاً إلى مسيرة 27 سبتمبر، التي شهدت مشاركة واسعة في مسيرة دعا إليها أمين عام الوفاق الشيخ علي سلمان، وسط أجواء أمنية متوترة.
وفي قراءة لقوى المعارضة لذلك اليوم، لم يكن 27 سبتمبر مجرد يوم احتجاجي آخر، بل محطة اعتُبرت تأكيداً جديداً على سقوط شرعية النظام السياسي في البحرين، واستمرار البحث الشعبي عن نظام يقوم على المشاركة السياسية والإرادة الشعبية، بدلاً من القمع والإقصاء.

وبذلك، يصبح المشهد الحالي امتداداً لصراع أقدم حول معنى المواطنة والتمثيل السياسي والشرعية في البحرين، فالسلطة قد تستطيع أن تفرض الصمت، وقد تستطيع أن تنتزع توقيعاً، وقد تستطيع أن تسقط جنسية أو عضوية نائب، لكنها لا تستطيع، بمجرد الإجراءات الأمنية، أن تحول الخوف إلى رضا، أو الإكراه إلى قناعة، أو التوقيع إلى شرعية.

فالشرعية لا تُصنع بالترهيب، والولاء لا يُنتزع بالقوة، وإذا كانت السلطة تبحث اليوم عن شرعية متجددة، فإن الطريق إليها لا يمر عبر تضييق المجال السياسي، ولا عبر تحويل الجنسية إلى أداة عقاب، ولا عبر فرض الولاء على المؤسسات والمواطنين، وإنما عبر استعادة ثقة الناس، وضمان المساواة بينهم، وفتح المجال أمام المشاركة السياسية الحرة.

والولاء الحقيقي لا يحتاج إلى توقيع تحت التهديد، والتوقيعات التي تُنتزع بالإكراه، مهما بلغ عددها، فتبقى تعبيراً عن قدرة السلطة على فرض موقفها، لا بالضرورة عن رضا المواطنين عنها.
فالشرعية اختيار، والولاء قناعة، وكلاهما لا يُنتزع بالقوة.