الفرق بين الصحفيين البحرينيين والأمريكيين في قراءة سرديات الحرب الأخيرة
إبراهيم علي - 2026-10-12 - 8:30 م
مرآة البحرين: لعلّ أهم آفة من آفات التحليل السياسي، أن ينطلق التحليل من الحقد والغلّ والانحيازات المسبقة، حينها فقط، سينتج عنه كارثة تحليلية، أوهام، مبالغات، وقراءات غير موضوعية، وخبطة عشواء لا يمكن السيطرة عليها.
هذا بالضبط ما يحدث في الصحافة البحرينية، خصوصاً في ظلّ انعدام الحريات الإعلامية، إذ يجد الكاتب نفسه محاصراً داخل سياجات سردية تفرضها السلطة، تؤدي في النهاية إلى أن تسلبه هذه السياجات عقله، واتزانه الموضوعي، وعمقه التحليلي، فيشرّق ويغرّب لإثبات وجهة نظر السلطة لا ما عليه الواقع، إرضاءها لا البحث عن الحقيقة.
في الصحف الغربية، لا تقوم الصحافة على أساس الولاء للسلطة، والصحفي هناك، ليس مضطراً إلى مجاراة سردية المسؤولين، وليس محكوماً لها، وغالباً ما يكون مؤطراً بالسياسات التحريرية الخاضعة لتوجهات الصحيفة نفسها، إنْ كانت تميل لليسار أو لليمين، على العكس مما يجري في بلداننا العربية، فالصحافة لدينا أداة بيد السلطة، ورؤساء التحرير فيها مثلهم مثل الوزراء الذين يعيّنهم رئيس الوزراء أو الملك، مجرد موظفين عند الدولة. (هذا وفقاً للقراءة العامة للإعلام الغربي، وإلا فهو إعلام لا يخلو من الازدواجيات والمساوئ، ويخضع كغيره لسياسات اللوبيات والمالكين والمجمع التجاري والعسكري).
لذلك تجد في الصحافة الأمريكية مثلاً، محلّلاً أمريكياً يكتب في "نيويورك تايمز" أو "واشنطن بوست" عن فشل حرب الإدارة الأمريكية على إيران، وعن سوء إدارة الرئيس الأمريكي للمفاوضات، ويدعوها للتراجع عن سياساتها هذه، دون أن يتهمه أحد في ولائه الوطني، أو يهدده بالسجن أو الفصل من العمل، بينما على النقيض من ذلك، تجد محلّلاً عربياً أو خليجياً، أو إنْ شئت بحرينياً، كما هي موضة الصحافة البحرينية هذه الأيام، جُلّ تحليلاته السياسية تقوم على انتصار الولايات المتحدة، وكفاءة حربها، وفعاليّة حصارها، مُكلّلاً مقاله بمجموعة من الشتائم ضد "العدو الإيراني".
في الصحافة الأمريكية، يتحدثون عن نهاية العصر الأمريكي في الشرق الأوسط، عن ضعف القواعد الأمريكية أمام المسيّرات الإيرانية، عن الخسائر الجسيمة التي لحقت بها، عن مستقبلها وتحديات إعمارها مجدداً، بينما لن تجد محلّلاً عندنا يتحدث عن ذلك، بل على العكس من ذلك، فالمطلوب من الصحافة لدينا أن تغمض عينها عن الخسائر، وتتغافل عن نقاط الضعف، وتتحدث فقط وفقط عن نجاح الدفاعات الجوية في التصدّي للعدوان الغاشم.
وللمفارقة، فإنّ ما تقوله الصحافة الأمريكية حول ذلك، إذا كان يردده محلّل عربي أو إسلامي آخر، يوصف من قبل محلّلي صحفنا وقنواتنا التلفزيونية بأنّه سردية إيرانية، أو سردية محور المقاومة، أو سردية قناة الميادين، أو ما شابه ذلك من تسميات، إرضاءً لغرور المتكلم ليس إلا، ولمشغليه من أنظمتنا الخليجية أو العربية!
في السردية الأمريكية الرسمية مثلاً، يعترفون بخروج القاعدة الأمريكية في البحرين عن الخدمة منذ اليوم الأول من الحرب (28 فبراير)، لكن محللينا لا يكتفون بإخفاء المعلومات كمعطيات تحليلية، بل لا يعترفون أصلاً بأيّ هزيمة على الأرض، تبعاً لأنظمتهم التي ترى في الاعتراف بنقاط الضعف جريمة!
في مسألة استخدام الأراضي البحرينية كمنصة لعمليات عدوانية على إيران، جوقة المحللين من هؤلاء سواء في الصحافة أو مواقع التواصل الاجتماعي، ينفون بشكل مطلق هذا الأمر، في الوقت الذي يتفاخر الرئيس الأمريكي بذلك، بل ويستهزئ علناً بعدم قدرة حكام الخليج على رفض الأمر، وتنقل الصحافة الأمريكية مثل "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال"، وكذلك وكلات الأنباء العالمية مثل "رويترز" و"أسوشيتد برس" و"إيه إف بي"، مثل هذه المعلومات كحقائق ميدانية لا يمكن التنكر لها، وإنْ كانت أحياناً في سياق تصوير الأمر وكأنّ هذه القوات تدافع عن الخليج، أو تصدّ ردود الفعل الإيرانية، أو تحصر الأمر في الدعم اللوجستي، لكن الجميع يعرف سياق الحرب، ومن الذي ابتدأ بالعدوان.
بالنتيجة، نحن أمام أدوات تُسخّر لترويج سرديات بيوت الحكم في البحرين والخليج ليس إلا، وليس محللين سياسيين يمتلكون أدوات التحليل ويقدمون رؤية لما يجري على الواقع، أو يستشرفون آفاق مستقبلية، وبالتالي فإنّ ما يقدّمونه من تحليلات مسيسة لا يمكن الاعتماد عليه، وهو يفرغ التحليل السياسي من مضمونه، ويحوّله إلى مجرد بوق إعلامي لترديد تلك السرديات الجاهزة.
- 2026-10-12من محاكمة قادة هيئة الاتحاد الوطني إلى محاكمة فقهاء وعلماء المذهب: سبعون عامًا بين الاستعمار والتطبيع
- 2026-10-11تهديدٌ علني لأحد المواطنين بلا أيّ رادع.. الهيستريا في سلوك الأمن البحريني تتضاعف!
- 2026-10-11السلطة تتباهى بتنسيق الحرب على إيران مع واشنطن: إلى متى المغامرة بأمن البحرينيين؟
- 2026-10-10الأنمي مسموحة في البحرين وشعائر الشيعة ممنوعة!
- 2026-10-10من انتقاداتها لأحداث البحرين إلى نوبل للسلام.. نافي بيلاي ومسار طويل في الدفاع عن القانون الدولي