قصة قصيرة: حديث الغريبين
حسن ناصر - 2026-10-15 - 10:01 م
مستوحاة من سيرة الشهيد الشيخ جمال العصفور.
كان الشريط عالقًا في فم المسجّل القديم، يبرز طرفه البني تحت ضوء المصباح، فيما تدور البكرة ببطء.
مدّ السجّان المتقاعد يده المرتعشة وأوقف الجهاز. عثر على الشريط قبل أيام في قاع صندوق خشبي، بين صور باهتة وأوراق متآكلة ومفاتيح صدئة. كان قد وصل إليه قبل سنوات طويلة ضمن مواد صودرت من منزل الشيخ جمال العصفور، ثم نسيه بين مقتنياته، حتى أعادته إليه المصادفة.
مسح الغبار عن غطائه، وأعاد الشريط إلى موضعه، ثم ضغط زر التشغيل.
انطلقت خشخشة طويلة، أعقبها صفير رفيع. كاد يطفئ الجهاز حين انبعث صوت بعيد، متعب، لكنه واضح بما يكفي ليجعله يرفع رأسه.
كان صوت رجل يقرأ.
غاب ضوء المصباح عن عينيه، وعاد إليه ممر السجن الضيق، وبابه الحديدي الثقيل، والكرسي الخشبي الذي قضى عليه ليالي طويلة يقلّب مفاتيحه، منتظرًا انقضاء الليل.
هناك، قبل سنوات بعيدة، بدأ كل شيء.
كان السجّان جالسًا أمام زنزانة الشيخ جمال، يدير حلقة المفاتيح بين أصابعه. وحين مرّ أمام الباب، توقف وناداه:
- شيخ جمال، اقرأ لي شيئًا.
جاءه الصوت من الداخل:
- ماذا تريد؟
- مصيبة مسلم بن عقيل.
ساد صمت قصير، ثم سمع ضحكة خفيفة أعقبها سؤال مازح:
- كل ليلة مسلم بن عقيل؟
أجاب السجّان:
- صوتك يعجبني.
جلس على كرسيه، ووضع المفاتيح فوق ركبتيه، وبدأ الشيخ القراءة.
لم يكن الصوت مرتفعًا، لكنه كان ينساب بين قضبان الباب ويملأ الممر بحزن لا يحتاج إلى ارتفاع النبرة كي يصل إلى القلب. ومع تقدم القراءة، سكنت أصابع السجّان، وأسند رأسه إلى الجدار وأغمض عينيه.
حين انتهى الشيخ، بقي الرجل ساكنًا لحظات، ثم قال:
- اقرأ لي شيئًا آخر.
لم يكن يريد للصمت أن يعود.
في البداية، لم يكن جمال العصفور بالنسبة إليه سوى اسم في ملف رسمي، ورجل يقبع خلف باب يتولى حراسته. لكن الاسم اكتسب ملامح مع مرور الأيام. عرف من أحاديث السجناء أنه جاء من البحرين إلى النجف الأشرف، ثم تابع دراسته الدينية في قم، قبل أن يعود إلى بلاده ويعمل في التدريس والإرشاد الديني.
وكان يسمع اسمه في أحاديث متقطعة عن المظاهرات والاعتقالات وحركة «أنصار الشهداء». لم تكن تفاصيل السياسة تعنيه كثيرًا؛ فقد اعتاد أن يرى الأسماء تتحول في الملفات إلى أرقام، ثم تختفي خلف الأبواب.
لكن هذا الرجل لم يكن يشبه الصورة التي رسمها له الملف.
ذات ليلة، سمعه يتحدث مع سجين مجاور عن سنوات الدراسة، ثم يقول:
- ليس كل صمت خوفًا.
لم يفهم السجّان العبارة تمامًا، لكنه ظل يفكر فيها. كان يعرف الصمت الذي يفرضه الباب، والصمت الذي يفرضه الخوف، أما ذلك الذي تحدث عنه الشيخ، فلم يعرف أين يضعه.
ومع مرور الليالي، نشأت بين الرجلين ألفة لم يتوقعها أيٌّ منهما. صار السجّان يبطئ خطوته حين يقترب من الزنزانة، وأحيانًا يقف أمام الباب من دون أن ينادي الشيخ، مكتفيًا بالاستماع إلى صوته.
وفي إحدى المرات، وجد جمال واقفًا عند النافذة الصغيرة، لا يظهر منه إلا نصف وجهه.
سأله السجّان:
- ما الذي يضحكك دائمًا؟
استدار الشيخ نحوه.
- أنا؟
- نعم، أنت. دائم الابتسام.
تأمله جمال لحظة، ثم سأله:
- وأنت، لماذا لا تبتسم أبدًا؟
حاول السجّان الحفاظ على جديته، لكن ضحكة أفلتت منه. التفت نحو الممر ليتأكد من أن أحدًا لم يسمعه، ثم قال محذرًا:
- لا تعتد على هذا.
- على ماذا؟
- على أن تضحكني.
ومضى في طريقه، تاركًا خلفه ابتسامة حاول إخفاءها.
كان شيء في هذا الرجل يربكه. لم يفهم كيف يستطيع سجين ينتظر مصيرًا مجهولًا أن يمازح سجّانه، أو أن يجد في يومه ما يستحق الابتسام. لكنه أدرك أن تلك لم تكن ابتسامة رجل نسي أين هو.
وخلف الباب الحديدي، كانت هناك ليالٍ أخرى لا يمر فيها المزاح. كان جمال يعتزل في عتمة زنزانته، يرتل دعاءه بصوت خافت، ويستحضر مسلم بن عقيل في وحدته، ثم يقرأ ما يحفظ من مصيبته. وكانت دموعه تنساب بعيدًا عن أعين الآخرين.
كان السجّان يمرّ أمام الباب، فيلتقط همسًا متصلًا. يتوقف لحظة، ثم يواصل خطاه من دون سؤال. لم يكن يعرف ماذا يقول لرجل يبكي في صلاته، ولا كيف يخاطب إنسانًا يشعر بأنه يعرفه أكثر مما ينبغي لسجّان أن يعرف سجينًا.
كانت البلاد تموج بأحداث بداية الثمانينيات، وتصل إلى السجن أخبار مبتورة عن مظاهرات واعتقالات ومحاكمات.
ثم صدر الحكم على جمال بالسجن سبع سنوات.
تناقل السجناء رواية عن موقفه أمام القاضي؛ قيل إنه واجه التهديد بالسجن باستخفاف، وأعلن أنه يتمنى الشهادة. لم يحضر السجّان المحاكمة، ولم يعرف ما قيل فيها على وجه الدقة، لكنه كلما تذكر الرواية عاد إلى صوته خلف الباب.
كيف يستطيع رجل ينتظره هذا المصير أن يضحك؟
لم يسأله. ربما خشي أن يسمع جوابًا لا يعرف كيف يتعامل معه.
ثم جاء رمضان سنة 1981، وبدأ صوت جمال يتغير.
لم يعد السجّان يسمع القراءة كلما مرّ أمام الزنزانة. حلّ محلها سعال متقطع يعقبه صمت طويل. أقنع نفسه أول الأمر بأن الأمر عابر، لكن الصوت أخذ يخفت ليلة بعد أخرى.
في إحدى الليالي، توقف أمام الباب وناداه:
- شيخ جمال!
لم يأته جواب. كرر النداء، ثم ألصق أذنه بالباب. سمع حركة خافتة، قبل أن يأتيه صوت ضعيف:
- نعم.
- تريد ماءً؟
- بعد قليل.
ظل السجّان واقفًا، يمرر أصابعه على حلقة المفاتيح، ثم سأل:
- أنت بخير؟
جاءته ضحكة قصيرة بالكاد وصلت إليه:
- بخير.
لكنه لم يصدق الجواب.
انتقى المفتاح المناسب وأدخله في القفل. صدر صوت معدني خافت. كان يستطيع أن يفتح الباب، لكنه لم يعرف ماذا سيفعل بعد ذلك. التفت نحو نهاية الممر؛ لم يكن هناك أحد.
عاد ينظر إلى القفل. ظل المفتاح بين أصابعه، ويده معلقة لحظة أطول مما ينبغي. سمع من الداخل أنفاسًا متباعدة، وشعر أن البقاء في مكانه صار أصعب من فتح الباب.
أدار المفتاح قليلًا، ثم أعاده إلى موضعه.
تراجع خطوة.
لم يكن يعرف إن كان فتح الباب سيغير شيئًا، لكنه كان يعرف أنه لم يفتحه. مضى في الممر، ويده لا تزال ترتجف.
وللمرة الأولى منذ عرف الشيخ جمال، لم يلتفت خلفه ليسمع إن كان سيقرأ شيئًا.
بعد أيام، خرج جمال من السجن إلى أهله، ثم نُقل إلى المستشفى إثر تدهور حالته الصحية. انتشرت أخبار عن حاجته إلى نقل الدم، وتوافد الناس للتبرع له.
أما أسباب مرضه وما جرى له خلال احتجازه، فظلت موضع روايات مختلفة، من بينها رواية تقول إنه تعرض للتسميم داخل السجن.
وفي التاسع عشر من أغسطس سنة 1981، رحل الشيخ جمال العصفور عن الدنيا، وهو في الثالثة والعشرين من عمره.
وصل الخبر إلى السجّان، فقرأه مرة، ثم أعاد قراءته، كأنه ينتظر أن تتغير الكلمات إذا أطال النظر إليها.
سار إلى الزنزانة التي اعتاد الوقوف أمامها. كانت خالية؛ لا فراش، ولا كوب، ولا شيء يدل على أن إنسانًا عاش فيها يومًا.
وقف عند الباب، ونظر إلى النافذة الصغيرة. حاول أن يتذكر آخر مزحة تبادلاها، وآخر قراءة سمعها كاملة.
لكنه تذكر المفتاح في يده تلك الليلة، والصوت المعدني حين أدخله في القفل، ثم اللحظة التي أعاده فيها إلى موضعه.
ماذا لو فتح الباب؟
لم يجد جوابًا. ولم يكن يعرف إن كان الباب المفتوح سيغير شيئًا، لكنه أدرك أن الباب الذي لم يفتحه سيبقى معه طويلًا.
في اليوم التالي، خرجت جنازة حاشدة من المعامير باتجاه مقبرة الشيخ سهلان في العكر. تدفق الناس خلف النعش، وارتفعت الهتافات والشعارات، وامتزجت الدموع بالغضب.
وقف السجّان بعيدًا عن الموكب، يراقب الأيدي المرفوعة فوق الرؤوس. لم يقترب من المشيعين، وبقي في مكانه حتى غاب النعش عن عينيه، ثم انصرف.
لم يكن يعرف ماذا جاء يبحث عنه بين هؤلاء الناس. ربما أراد أن يرى الوجه الذي لم يعد يستطيع رؤيته، أو أن يسمع اسمًا كان حتى وقت قريب لا يعني له أكثر من ملف ورقم زنزانة.
وحين عاد إلى السجن، وجد الممر كما تركه: الأبواب مغلقة، والمصابيح الصفراء معلقة في أماكنها.
جلس على كرسيه، ووضع المفاتيح فوق ركبتيه.
لم يكن ثمة صوت يطلب منه القراءة.
مرت السنوات.
تقاعد السجّان وغادر المكان الذي أمضى فيه عمرًا طويلًا. نسي ملامح سجناء، وأسماء حراس، وتواريخ اعتقالات لم يعد قادرًا على ترتيبها.
لكن اسم جمال بقي.
بقيت ضحكته الخفيفة، وصوته وهو يقرأ عن مسلم بن عقيل، وسؤاله البسيط: لماذا لا تبتسم أبدًا؟
وبقي المفتاح الذي لم يدره في تلك الليلة، وإن لم يعد يعرف إن كان يتذكر ما حدث فعلًا، أم يعيد بناءه في ذاكرته كلما عاد إليه الندم.
في غرفته الصغيرة، كان الصندوق الخشبي يحتفظ بما تبقى من ماضيه: صور قديمة، وأوراق متآكلة، ومفاتيح لم تعد تفتح شيئًا، والشريط الذي وصل إليه ضمن المواد المصادرة من منزل الشيخ.
أخرجه ووضعه في المسجّل، ثم ضغط زر التشغيل.
انسابت القراءة رغم الخشخشة التي تتخلل الكلمات. أغمض عينيه، فعادت إليه صورة الشيخ خلف الباب، وصوته يملأ الممر، وابتسامته التي لم يكن يفهم سرها.
ثم تسللت ضحكة خفيفة بين الكلمات.
فتح السجّان عينيه. لم يكن متأكدًا إن كانت الضحكة جزءًا من التسجيل، أم أن ذاكرته أضافتها إلى الصوت. مدّ يده نحو المسجّل، لكنه لم يوقفه. ترك البكرة تدور حتى توقفت فجأة، وانقطع الصوت.
ظل جالسًا أمام الجهاز.
كانت حلقة المفاتيح موضوعة على الطاولة. حملها بيده المرتعشة وتأملها طويلًا. لم تعد تفتح أبواب السجن، ومع ذلك لم يستطع التخلص منها.
أعادها إلى مكانها ببطء، ثم نظر إلى المسجّل الصامت وقال:
- رحمك الله يا جمال.