الإرهاب بين التعريف الدولي وشماعة النظام البحريني

زينب علي - 2026-10-19 - 8:38 م

مرآة البحرين: التعريف الدولي، وفق ما هو متداول ومعلن، للإرهاب يرتبط بالاستخدام الممنهج وغير القانوني للعنف أو التهديد باستخدامه، بهدف إشاعة الرعب والخوف بين الناس، والضغط على الحكومات أو المجتمعات لتحقيق أهداف سياسية أو دينية.

ومن أبرز صور الإرهاب التي تدخل في هذا الإطار، القتل، والتفجير، والتخريب، واستهداف المدنيين، وتهديدهم، واستخدام العنف المنظم لبث حالة من الرعب وإجبار الآخرين على الخضوع لإرادة جهة ما.

لكن، مفهوم الإرهاب كما يبدو في الخطاب الرسمي البحريني، اتخذ مساراً آخر مختلفاً، مساراً تتمدد فيه التهمة لتطال المعارض السياسي، والناشط، ورجل الدين، وكل مواطن يرفع صوته بالاعتراض أو يطالب بالإصلاح، وإن كانت طائفة بأكملها!

ففي هذا السياق، لم يعد الإرهاب، بالنسبة إلى السلطة، مرتبطاً بالضرورة بممارسة العنف أو حمل السلاح، بل باتت التهمة تُستخدم لتجريم المواقف السياسية والعقائدية، وتقييد الحريات، وملاحقة الخصوم، وتضييق المجال أمام أي صوت لا يتطابق مع خطاب السلطة.

موقف آية الله الشيخ عيسى قاسم من الإرهاب:

ولعل موقف آية الله الشيخ عيسى قاسم من الإرهاب والعنف يكشف بوضوح الفارق بين ما تطرحه السلطة من اتهامات، وبين المواقف المعلنة لواحد من أبرز علماء الخليج والمنطقة.

فالشيخ عيسى قاسم يعتبر الإرهاب طريقاً مظلماً ومسلكاً هداماً، يناقض الدين والقيم الإنسانية، بغض النظر عن مصدره أو الجهة التي تقف خلفه.
كما أن هذا الموقف لم يكن مجرد خطاب عابر، بل تكرر وترسخ في مواقفه، حيث شدد على أن المطالبة بالإصلاح لا يمكن أن تكون إلا عبر الوسائل السلمية.

وقد قال في أحد خطاباته: "لا إرهاب، وأن لا خيار في المطالبة بالإصلاح إلا بالأسلوب السلمي".

كذلك، أكد في موقف واضح وشامل أن "كل فعل إرهابي ظالم، وكل عدوان ولعب بحرمة الدماء والأعراض والأموال من أي مصدر على مستوى الأفراد والجماعات والأحزاب والحكومات وكل العالم".

والسؤال: كيف يمكن وضع عالم دين يعلن صراحة رفض الإرهاب والعنف، ويدعو إلى السلمية، في خانة الإرهاب أو التحريض عليه؟

وكيف يمكن أن تتحول المطالبة بالإصلاح بالوسائل السلمية إلى جريمة، بينما يعلن صاحبها رفضه الصريح للعنف والإرهاب أياً كان مصدره؟


الشيخ علي سلمان والوفاق.. السلمية خياراً سياسياً:

وفي المسار ذاته، لم يكن موقف الشيخ عيسى قاسم منفرداً، بل كان الموقف ذاته الذي انتهجه الأمين العام لجمعية الوفاق الشيخ علي سلمان، الذي أعلن رفضه للعنف، ودعا باستمرار إلى التمسك بالعمل السياسي السلمي.

ففي مناسبات متعددة، أكد الشيخ علي سلمان رفض العنف بجميع أشكاله، ومن أي طرف كان، كما ركزت بيانات جمعية الوفاق، كبرى الجمعيات السياسية المعارضة في البحرين، على الحراك السلمي باعتباره خياراً استراتيجياً للمطالبة بالإصلاحات السياسية والدستورية.

كما ظلت الجمعية تؤكد، في خطابها السياسي، رفض الانجرار إلى المواجهات المسلحة أو العمليات التخريبية، والتمسك بالوسائل السياسية والسلمية في التعبير عن المطالب.

ومن هنا، فإن الصورة التي حاولت السلطات رسمها عن المعارضة البحرينية باعتبارها مشروعاً للعنف أو الإرهاب تصطدم مع الخطاب المعلن لقيادات المعارضة نفسها، ومع سلسلة طويلة من البيانات والمواقف التي تؤكد السلمية وترفض استخدام السلاح.

ومع ذلك، فإن المفارقة الغريبة أن الشيخ علي سلمان ما زال يقبع اليوم في السجون البحرينية، محكوماً بالسجن المؤبد بتهمة التخابر مع قطر، في حين أن عودة العلاقات الدبلوماسية بين البحرين وقطر تثير تساؤلات حول استمرار الاستناد إلى هذه التهمة، التي وُصفت بأنها مهزلة!

موقف علماء البحرين:

ولا يختلف الأمر عند كبار علماء البحرين وعلمائها وطلبة العلوم الدينية، الذين أعلنوا، في مناسبات مختلفة، رفضهم للعنف والعمليات الإرهابية، وتمسكهم بالسلمية ورفض استهداف الأبرياء.

وفي المقابل، يرفض هؤلاء العلماء استخدام تهم مكافحة الإرهاب كغطاء سياسي للمساس بالهوية الدينية، أو التضييق على الحريات، أو ملاحقة رجال الدين واعتقالهم بسبب مواقفهم وآرائهم السياسية والدينية.

ومن وجهة نظر المعارضة البحرينية، فإن المشكلة لم تعد في الإرهاب بوصفه جريمة، وإنما في توسيع تعريفه بحيث يصبح عنواناً فضفاضاً يمكن أن يُستخدم ضد كل من يختلف مع السلطة.
وبذلك، تتحول كلمة «الإرهاب» من وصف لجريمة محددة إلى تهمة سياسية جاهزة.

شماعة الإرهاب:

وفي هذا السياق، يمكن وصف الإرهاب، بأنه أصبح (شماعة) جاهزة ومعلبة داخل أدراج الأجهزة الأمنية، تُفتح مع كل حدث سياسي أو أمني، لتُسند إليها اتهامات جديدة.

فمنذ مطلع التسعينيات، وصولاً إلى السنوات التي أعقبت أحداث 2011، تكررت إعلانات السلطات البحرينية عن اكتشاف خلايا إرهابية ومخططات تخريبية، وترافقت هذه الإعلانات مع اتهامات لناشطين وقوى سياسية بالارتباط بتنظيمات خارجية أو بالسعي إلى إسقاط النظام.

وفي مراحل سابقة، وُجهت اتهامات إلى مجموعات من الناشطين بتشكيل ما عُرف باسم «حزب الله البحرين»، كما طالت اتهامات أخرى «حركة أحرار البحرين»، وجرى تقديم هذه المجموعات باعتبارها خلايا تخريبية تسعى إلى إثارة الفوضى وإسقاط النظام.

ومع ذلك، هذه الاتهامات لم تكن مدعومة دائماً بالأدلة التي تبرر حجم الاتهام وخطورته، وظلت في كثير من الحالات جزءاً من خطاب أمني وسياسي يُستخدم لتبرير الإجراءات الصارمة بحق المعارضين والطائفة الشيعية.

2011.. عندما تضاعفت دائرة الاتهام:

ثم، جاء حراك فبراير عام 2011، لتدخل البحرين مرحلة جديدة من استخدام خطاب الإرهاب والأمن.

فمع امتداد الاحتجاجات، أعلنت الأجهزة الأمنية عن خلايا وتنظيمات مزعومة، وقدمت السلطات روايتها للحراك باعتباره يتجاوز المطالب السياسية إلى مشروع أمني منظم، وذهبت الاتهامات إلى الحديث عن تنظيمات مسلحة ومخططات تستهدف أمن الدولة.
لكن، الاتهام لم يتوقف عند مجموعة سياسية أو تنظيم محدد.

بل على العكس، اتسعت دائرته تدريجياً، حتى أصبح جزء من الخطاب الرسمي موجهاً إلى الطائفة الشيعية وعلمائها، مع ادعاءات عن وجود خلايا مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، وعن نقل إحداثيات.

وهنا، انتقلت القضية من اتهام أفراد أو مجموعات إلى محاولة تحميل طائفة بأكملها مسؤولية مشروع سياسي وأمني مزعوم.

ولم تتوقف المسميات عند هذا الحد، إذ ظهر لاحقاً تعبير «خلايا ولاية الفقيه»، ليصبح الاتهام أكثر ارتباطاً بالهوية الدينية والمذهبية.

إيران.. ذريعة دائمة :

في كل مرة تُتهم المعارضة البحرينية بالارتباط بإيران، يعود السؤال ذاته: هل المطالبة بالحقوق السياسية والاجتماعية تعني بالضرورة الولاء لدولة أخرى؟

وهل يمكن اختزال طائفة بحرينية بأكملها في علاقة سياسية أو مذهبية مع إيران؟ وهل يعني ذلك أن شيعة البحرين، لمجرد انتمائهم المذهبي، يريدون تحويل البحرين إلى نسخة من إيران؟

إن اختزال موقف الطائفة الشيعية في البحرين في «الولاء لإيران» يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن شيعة البحرين مواطنون يعيشون في بلدهم، ولهم ارتباطهم بأرضهم وتاريخهم ومجتمعهم، وليس من حق أحد أن يجعل من انتمائهم المذهبي دليلاً تلقائياً على الخيانة أو التآمر.

ليست مطامع الطائفة الشيعية:

وفي المقابل، الحقيقة التي يصر عليها الجميع هي أن الطائفة الشيعية في البحرين لا تملك مشروعاً لاحتلال البلد، ولا تسعى إلى تحويله إلى ساحة صراع إقليمي.

بل، إن أبناء الطائفة، كما يؤكد خطابهم، هم من أكثر الناس حرصاً على استقلال البحرين وأمنها واستقرارها، وعلى أن تبقى البلاد وطناً لجميع أبنائها.

فبالتالي، المطالبة بالحقوق لا تعني الخيانة، والمطالبة بالإصلاح لا تعني إسقاط الدولة، والمطالبة بالحريات لا تعني حمل السلاح، والاعتراض على سياسات السلطة لا يعني التآمر مع الخارج.

أما تحويل كل معارض إلى إرهابي، وكل رجل دين إلى مشروع متهم، وكل مطالبة بالحقوق إلى مؤامرة خارجية، فذلك ليس مكافحة للإرهاب بقدر ما هو استخدام سياسي لمفهوم الإرهاب.

وهنا تكمن المفارقة الأكبر، علماء يعلنون رفضهم للعنف، وقيادات سياسية تدعو إلى السلمية، وجمعيات ترفع شعارات الإصلاح السياسي، ثم تُوضع هذه المواقف نفسها في خانة الإرهاب والتآمر.

فإذا كان الإرهاب هو القتل والتفجير والتخريب وبث الرعب، فأين هو من المطالبة بالإصلاح السلمي؟

وإذا كانت مكافحة الإرهاب تهدف إلى حماية المجتمع والدولة، فلماذا تتحول إلى أداة لملاحقة المعارضين وعلماء الدين؟

وفي النهاية، إن القضية، في جوهرها، ليست في كلمة «الإرهاب» بحد ذاتها، وإنما في من يملك حق تعريفها، ومن يقرر من هو الإرهابي، ومن هو المعارض، ومن هو صاحب الحق في التعبير عن رأيه.

وفي البحرين، بحسب الخطاب المعارض، أصبحت هذه الحدود مختلطة إلى درجة أن المطالبة بالحقوق قد تُقدم بوصفها تهديداً، والمعارضة السياسية قد تتحول إلى قضية أمنية، ورجل الدين الذي يدعو إلى السلمية قد يجد نفسه في مواجهة تهمة الإرهاب.

وهكذا، تبقى «شماعة الإرهاب» حاضرة كلما احتاجت السلطة إلى تفسير الاحتجاج، أو تجريم المعارضة، أو تبرير القبضة الأمنية.