أنظمة الخليج وإخضاع الحالة الشيعية
2026-11-02 - 4:00 م
مرآة البحرين: كيف يمكن فهم التصعيد في وجه أستاذ الدراسات العليا في الحوزة العلمية سماحة الشيخ حسين المعتوق؟ هو سؤالٌ مطروحٌ منذ صدور حكم الإعدام بحقّه في الكويت. يتبعه سؤالٌ آخر: ما هو مستقبل الحالة الإسلامية الشيعية في عموم الخليج؟
المسألة ليست حكمًا قضائيًا معزولًا عن محيطه السياسي، بل واقعة تستدعي قراءة ما وراءها، خصوصًا حين توضع إلى جانب حملة الاعتقالات والمحاكمات التي طالت علماء الدين في البحرين، وما رافقها من تضييق على الشعائر والمؤسسات الدينية الشيعية. التزامن بين هذه التطورات يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت السلطات في البلديْن تتجه نحو إعادة رسم حدود المسموح به دينيًا وسياسيًا، وتحديد طبيعة المرجعيات والأفكار التي يُسمح لها بالحضور والتأثير في المجتمع.
يرى مراقبون أن دوائر القرار في بعض دول الخليج باتت تنظر إلى التيار الولائي الشيعي في هذه المنطقة من زاوية أمنية متشددة، وتحوّل كلّ ما يتعلّق به من أفكار وعقائد إيمانية إلى تهديدات ومواضع اشتباه وصولًا إلى الاتهام والإدانة.
هنا تحديدًا تبرز خطورة المرحلة: حين تتسع دائرة التضييق والملاحقات المباشرة لتشمل العلماء ووكلاء المرجعيات ومدرّسي الحوزات، لا يعود الأمر متعلقًا بملاحقة أفراد على خلفية أفعال محددة، بل يصبح السؤال متعلقًا بحدود الحرية الدينية ذاتها، وبحق المجتمعات الشيعية في الاحتفاظ بمرجعياتها ومؤسساتها الفكرية والعلمية.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة ما يجري بوصفه تصعيدًا يستهدف تقليص المساحة التي تتحرك فيها المؤسسات الدينية، وتقليص علاقاتها المعروفة بالمرجعيات الدينية، والتي تشكل إطارًا دينيًا وفكريًا تتداخل فيه المرجعية مع تصوراتهم عن المسؤولية العامة والموقف من قضايا الأمة.
إبّان الحرب على إيران وبعدها، استعرت الحملة الأمنية في البحرين والكويت على المواطنين الشيعة حصرًا. حربٌ على عقيدتهم تحت عنوان محاربة ولاية الفقيه لدى شيعة الخليج، والعملية لا تتحقّق إلّا من خلال استهداف فئة العلماء ووكلاء المرجعيات الدينية ومدراء الحوزات الدينية.
في البحرين هناك أكثر من 60 شيخًا وعالمًا برُتب حوزوية مُتقدّمة. كلّ هؤلاء في السجن اليوم ويخضعون لمحاكمة سرية يُمنع الرأي العام من الاطلاع على حيثياتها وتفاصيلها.
في الكويت، كان العمل واضحًا أيضًا لإخماد كلّ صوت أو حركة ترفض الوجود الأمريكي على الأراضي الكويتية. سماحة الشيخ حسين المعتوق غادر الكويت قبل سنوات قليلة، بعد اتهامه عام 2021 في قضية أيضًا سياسية عُرفت بـ"خلية العبدلي". جميع المعتقلين نالوا عفوًا أميريًا وخرجوا، لكن مع الحرب الأخيرة على إيران، اختارت الكويت الرسمية الانتقام ممّن يمثّلون الشيعة وكان الشيخ حسين المعتوق الاسم الأول والأبرز.
هذه السياسة المتّبعة في البحرين والكويت لا يمكن أن تسمّى تطهيرًا أمنيًا لمُتهمين أمنيين أو جنائيين، بل هي نهجٌ انتقامي من عقيدة يعتنقها طيفٌ واسع من الشيعة، وشيعة الخليج منهم وليسوا خارجهم، شاء الأمراء والملوك أم أبوا.
استهداف العلماء بسبب عقائدهم الدينية أو الفكرية، يحمل دلالات تتجاوز الأشخاص المستهدفين. فالعالِم في البيئة الشيعية أكان في البحرين أم في الكويت، ليس مجرد واعظ أو مدرّس، بل يمثّل حلقة وصل بين المجتمع والمرجعية الدينية، ويسهم في تشكيل الوعي الديني والأخلاقي، ونقل المعرفة الفقهية، والحفاظ على استمرارية المؤسسات الحوزوية.
ولهذا، فإن التضييق على العلماء أو إخضاعهم لإجراءات سلبية إلى أبعد الحدود يمكن أن ينعكس على المجتمع بأكمله، من خلال ضرب مؤسساته الدينية، وتضييق المجال المتاح للنقاش الفكري والتعبير عن المواقف السياسية.
ومن هنا، لا يمكن اختزال القضية في مصير الشيخ حسين المعتوق وحده، أو مصير علماء البحرين المعتقلين، فهي تفتح نقاشًا أوسع حول حق الشيعة في الخليج في ممارسة معتقداتهم، والحفاظ على مؤسساتهم العلمية، والتعبير عن قناعاتهم الدينية، من دون أن يصبح ذلك سببًا كافيًا للاشتباه أو العقاب.
قد تنجح الإجراءات الأمنية في إشاعة الرعب أو ترهيب المجتمع، وقد تدفع الاعتقالات والمحاكمات بعض الأصوات إلى الانكفاء، لكنها لا تستطيع أن تحسم بالقوة الأسئلة الفكرية والعقائدية التي تتجذّر في وجدان أصحابها. فالأفكار الدينية لا تختفي لمجرد التضييق على حامليها، كما أن المرجعيات العلمية لا تفقد مكانتها لمجرد استهداف بعض رموزها.
في الخلاصة، الرهان على إخضاع البيئة الشيعية عبر الضغط على علمائها ينطوي على سوء تقدير لطبيعة العلاقة بين المجتمع ومؤسساته الدينية. فهذه العلاقة ليست علاقة تنظيم سياسي يمكن تفكيكه بقرار أمني، بل امتداد تاريخي وعلمي واجتماعي تشكل عبر أجيال. وكلّما اتسعت الفجوة بين السلطة ومكوّنات المجتمع، وتراجعت الثقة في عدالة الإجراءات، ازدادت احتمالات الاحتقان بدلًا من الاستقرار.
- 2026-11-02المبادرة الوطنية البحرينية: وعد بلفور أسّس لأكبر جريمة تاريخية بحق فلسطين.. والتطبيع غطاء لاستمرار الجرائم الصهيونية
- 2026-11-02قوى المعارضة تدعو إلى حراك شعبي واسع في 8 نوفمبر رفضاً لمحاكمة العلماء واستهداف الهوية
- 2026-11-01الإمارات ستُنقذ البحرين من ديونها بدل السعودية.. ماذا بعد؟
- 2026-10-30الشيخ عادل الشعلة يدعو إلى مقاطعة من يخضعون لقرارات السلطة بشأن الشعائر الدينية
- 2026-10-30حين يُسجن صوت المعارضة: علي سلمان وسؤال البحرين المؤجّل