27 عاماً من الحكم.. ماذا سيبقى حين ينتهي العمر؟

زينب علي - 2026-11-06 - 9:05 ص

مرآة البحرين: سبعة وعشرون عاماً من الحكم ليست مجرد رقم في سجل الزمن، بل جيل كامل عاش معظم حياته تحت عهد واحد، وشهد خلاله تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة وقاسية، كما شهد سنوات طويلة من الاحتقان والاحتجاج والاعتقالات والمحاكمات والانقسامات.

وخلال هذه السنوات، تراكمت أرقام بشرية كثيرة، في السجون والمحاكم، وفي الأراضي والديون والثروات، وفي أعداد الضحايا الذين سقطوا خلال سنوات الصراع السياسي والأمني.. لكن خلف كل رقم يوجد إنسان.

أحكام بآلاف السنوات:

تشير منظمات حقوقية إلى أن المحاكمات ذات الطابع السياسي في البحرين أفضت، عبر سنوات مختلفة، إلى أحكام قاسية وطويلة بحق آلاف المواطنين والنشطاء والمعارضين.

وفي وقت سابق من هذه الحقبة، رصدت تقارير حقوقية أحكاماً بلغ مجموعها نحو 11 ألف سنة من السجن حتى عام 2015، قبل أن تستمر الأحكام المشددة وأحكام المؤبد خلال العامين الماضيين وما سبقهما.

أرقام ضخمة، لكنها في حقيقتها تمثل أعماراً بشرية انتُزعت من أصحابها، سنوات غابت فيها وجوه عن عائلاتها، وكبر خلالها أطفال بعيداً عن آبائهم، وانتظرت عائلات طويلة خلف أبواب السجون.

الأرض والثروة والدَّيْن:

الأرقام لا تتوقف عند الحريات، بل تمتد إلى الأرض والثروة والحقوق الاقتصادية، لتفتح باباً آخر من الأسئلة حول العدالة وتوزيع الثروات.

وتداول تقرير سابق صادر عن جمعية الوفاق أرقاماً تصل إلى 165 كيلومتراً مربعاً بشأن مساحات من الأراضي التي أشار التقرير إنها تعرضت للاستيلاء والتصرف بها.

وفي الجانب الاقتصادي، تتداول تقديرات أرقاما تصل إلى 5.6 مليار دولار بشأن ثروة ملك البحرين، في مقابل ديون عامة ضخمة تواجهها الدولة، تجاوزت وفق تقديرات وتقارير اقتصادية 75 مليار دولار.

وهنا سؤال يتخطى كل الأرقام.. كيف توزعت ثروة البلاد، ومن تحمل كلفة الديون، ومن استفاد من ثمار التنمية خلال هذه السنوات؟


ضحايا تركوا أسماءهم في الذاكرة:

أما الأرقام الأكثر قسوة، فهي تلك المتعلقة بالضحايا، فقد سقط عشرات الأشخاص خلال سنوات الصراع، بين من قُتلوا بالرصاص ومن توفوا في ظروف ارتبطت بالتعذيب وسوء المعاملة في سجون السلطة.

وفي هذا السياق، في عهد الملك حمد وسنوات حكمه الـ27 ، استُشهد العشرات بالرصاص الحي، ومنهم، على سبيل المثال لا الحصر، الشهيد علي المشيمع، والشهيد محمود أبو تاكي، والشهيد علي المؤمن، والشهيد رضا أبو حميد.
كما أن مواطنين آخرين استُشهدوا نتيجة التعذيب، من بينهم الشهيد علي صقر، والشهيد زكريا العشيري، والشهيد عبد الكريم فخراوي، وصولاً إلى الشهيد السيد محمد الموسوي في مارس الماضي.

وإلى جانب ذلك، لن تنسى الأجيال القادمة، وهي تقرأ تاريخ هذه المرحلة، مسؤولية الملك المباشرة عن التوقيع على أحكام إعدام السنقيس، والسميع، والمشيمع، وما ترتب على ذلك من مسؤولية سياسية وأخلاقية لا تمحوها السنوات.

وفي نهاية المطاف، ينبغي التذكير بأن الضحية ليست مجرد رقمٍ في تقرير، إنها اسم، وعائلة، وذكريات، وحياة توقفت قبل أوانها.
ولهذا، تبقى هذه الملفات جزءاً من الذاكرة البحرينية، مهما مرت السنوات.

جيل كامل تحت عهد واحد:

سبعة وعشرون عاماً كانت كافية لأن يولد جيل كامل ويكبر في ظل الحكم نفسه.
من كان رضيعًا عند بداية العهد أصبح اليوم في السابعة والعشرين، ومن كان شاباً أصبح أباً وربما جداً، وهذا وحده يكشف حجم المدة التي نتحدث عنها.
إنها ليست فترة عابرة في تاريخ بلد، بل مرحلة امتدت بما يكفي لتشكيل ذاكرة جيل كامل.


أنت الآن في السادسة والسبعين:

أنت اليوم في السادسة والسبعين من العمر، وقد تجاوزت متوسط العمر المتوقع عالمياً، الذي بلغ نحو 73.3 عاماً وفق تقديرات الأمم المتحدة.
لكن متوسط العمر ليس موعداً للموت، ولا يستطيع أحد أن يحدد متى يأتي الأجل.
إنما هناك حقيقة لا يختلف عليها اثنان، كلما تقدم الإنسان في العمر، اقترب من أجله، وأصبح الزمن المتبقي من حياته أقل من الزمن الذي مضى.
والإنسان، مهما بلغت سلطته، لا يستطيع أن يعقد اتفاقاً مع الزمن، فلا القصر يمنحه الخلود، ولا الثروة، ولا المنصب، والحاشية والمرتزقة.
وفي النهاية يأتي اليوم الذي يغادر فيه الجميع، ويبقى ما تركوه وراءهم.


ماذا سيبقى من 27 عاماً؟

هنا تتجاوز القضية الحسابات السياسية إلى سؤال التاريخ بعد 27 عاماً من الحكم، ماذا سيبقى من هذه المرحلة؟

هل سيتذكرها البحرينيون باعتبارها سنوات اعتقالات ومحاكمات وانقسام؟ أم يمكن أن تتحول السنوات الأخيرة منها إلى بداية مختلفة، بداية للمصالحة، وإغلاق ملفات الألم، وفتح مساحة أوسع للمشاركة والحقوق، بحيث يشعر المواطن أن وطنه يتسع له مهما كان مذهبه أو رأيه السياسي؟

فالسنوات التي مضت لا يمكن استعادتها، لكن السنوات المتبقية يمكن أن تصنع فرقاً. يا ملك البلاد، وأنت في السادسة والسبعين، لا أحد يعرف كم بقي من عمرك، فالأجل بيد الله وحده. لكن ما يزال السؤال قائماً: ماذا تريد أن تترك وراءك؟
فالسلطة تنتهي، والثروة تتغير، والمناصب تزول، وحتى أسماء أصحابها قد تخفت مع مرور الزمن.
أما الأثر الذي تركوه في حياة الناس، فقد يبقى طويلاً.

ولهذا، فإن الأجيال القادمة لن تنسى أنك حكمت البحرين لسنوات طويلة، وأصدرت خلالها قوانين ألحقت أضراراً بحقوق أبناء الأرض، وشككت في وطنيتهم.

واليوم، يقبع كبار العلماء والخطباء والرواديد في السجون منذ ستة أشهر، فيما تُعقد محاكمتهم الأحد القادم الموافق للثامن من نوفمبر، في مشهد يضيف فصلاً جديداً إلى سجل الانتهاكات التي ستبقى مسؤوليتها السياسية والأخلاقية في عنقك.

بل ستتساءل أيضاً: ما الذي لم تفعله خلال عهدك، في السنوات الطويلة من الحكم؟
وعن الفرص التي كان يمكن استثمارها لتخفيف الاحتقان، وعن الملفات التي كان يمكن إغلاقها بالإنصاف والحوار، وعن الإصلاحات التي كان من الممكن أن تمنح المواطنين شعوراً أكبر بالأمان والمساواة.

تلك هي الأسئلة التي ستبقى بعد أن تنتهي كل الأرقام، ويسقط رقمك!